استعداد ترامب للحوار أقسى ضربة لطهران

سلام سرحان
سلام سرحان

لم أجد في جميع التعليقات التي نشرت في الصحافة العربية والإنكليزية من يقرأ بالون الاختبار الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استعداده للحوار مع الحكومة الإيرانية على أنه الحجر الأخير لإكمال حصار نظام الملالي في طهران.

يعتقد معظم المراقبين أن ترامب يفتح بذلك نافذة للوحش المحاصر لكي يهرب من الطريق المسدود، بتقديم تنازلات والقبول بالمطالب التي وضعتها الإدارة الأميركية للخروج من الأزمات التي تهدد بقاءه مع اشتداد قبضة العقوبات في ظل انهيار اقتصادي شامل.

النظرة الأعمق إلى خطوة ترامب تكشف أنها ضربة عبقرية تسقط آخر أوراق النظام في التعويل على استقطاب الشارع الإيراني بين الاختيار بين النظام، وبين الجهات الخارجية التي تفرض عليه عقوبات تفاقم معاناته الاقتصادية. تلك الدعوة للحوار ستحسم موقف معظم المترددين وتجعلهم يرون بصيص أمل للخروج من الطريق المسدود.

سوف تلقى دعوة ترامب دعما لأنها تنسجم مع مطالب الاحتجاجات التي تؤيد الكف عن تبديد ثروات البلاد في التدخل في دول الجوار وتخصيص معظمها للجهد العسكري، في وقت يعاني فيه الشعب من الفقر وتردي الخدمات.

يعلم الرئيس الأميركي جيدا، وكل من يفهم تاريخ نظام طهران، أن الاقتراح الذي قذفه مستحيل التنفيذ وأن قائمة مطالبه الطويلة التي وضعها عند انسحابه من الاتفاق النووي ستتناسل إلى ما لا نهاية ولن تنتهي إلا بإسقاط النظام. التفاوض على تلك المطالب لن يعني تخلي النظام عن ملابسه أو حتى عن جلده، بل عن كيانه المتحجر في شعارات مغلقة. ويكفي سحب حجر واحد من ذلك الكيان لفتح أبواب سقوط جميع الأحجار.

هناك نظام قابع في كهوف التاريخ يملك ميليشيات انتحارية يقترب مصيره من طريق مسدود. وكان لا بد من تجريده من جميع أوراقه كي لا يلجأ إلى حماقات كارثية من خلال فتح نافذة وهمية لمنع انفجار جنونه.

بالون اختبار الرئيس الأميركي جاء في وقت عبقري، ليشق صفوف النظام من خلال إيهام المترددين بوجود طريق للخروج من الزنزانة المغلقة. وسوف يساهم في حسم خيارات الكثير من الإيرانيين الحائرين، الذين ما كان بعضهم ليقف مع الطرف الخارجي، الذي تلقي طهران باللوم عليه في تجويعهم.

بصيص الأمل الوهمي أو الفخ الذي نصبه ترامب سيحسم موقف الكثيرين ويعزز قناعتهم بأن النظام هو سبب معاناتهم وأزماتهم الخانقة، وسيجعل تغيير النظام الخيار الوحيد أمامهم.

من المؤكد أن معاناة الإيرانيين ستشتد مع دخول المرحلة الأولى من العقوبات حيز التنفيذ يوم الاثنين المقبل، وسوف تتفاقم بدرجة غير مسبوقة حين تدخل المرحلة الثانية حيز التطبيق في 4 نوفمبر المقبل لتغلق صادرات النفط وجميع التعاملات المالية.

لا بد أن جميع الإيرانيين يدركون الأفق القاتم الذي ينتظرهم بعد انهيار العملة وفقدانها لأكثر من ثلثي قيمتها منذ التلويح بخنق الاقتصاد الإيراني وقبل دخول العقوبات حيز التنفيذ. طاقة احتمال الإيرانيين تقترب من نهايتها رغم أن النظام لا يزال حتى الآن يصدر نحو 2.3 مليون برميل يوميا، فما بالك حين تتوقف تلك الصادرات وينقطع الشريان الوحيد للاقتصاد الإيراني.

هناك ملايين الألغام التي تحتاج إلى شرارة للانفجار داخل إيران والتي لا يمكن حصرها إلا في عناوين كبيرة. ويمكن وضعها جميعا تحت عباءة الانهيار الاقتصادي الذي لا يدمر حياة الفقراء فقط، بل جميع الطبقة الوسطى والتجار والشركات.

انهيار العملة الإيرانية قبل نزول سيف العقوبات يعني فقدان نحو ثلثي قيمة كل ما في إيران من القدرة الشرائية إلى أسعار الأصول والعقارات، ولا بد أن يوقظ الإيرانيين إلى ما ينتظرهم في المستقبل القريب.

هناك أيضا معاناة الأقليات غير الفارسية التي تمثل نحو 70 بالمئة من السكان، والذين يعانون من عقدة التفوق الفارسي التي تحرمهم من أبسط حقوقهم القومية والثقافية.

لو لم يقدّم ترامب ذلك العرض البراق الذي عصف برؤوس الكثير من الإيرانيين وخلط أوراقهم بذلك البصيص البعيد من الأمل بالخروج من الأزمات الخانقة، لكانت مهمة النظام أسهل في مواصلة خداع الكثيرين بأن الإدارة الأميركية هي المسؤولة عن معاناتهم.

الجانب الأخطر في هذه المعادلة هي جيوش الميليشيات الانتحارية، التي ارتبط مصيرها بمصير نظام الملالي مثل قوات الحرس الثوري والباسيج وفيلق القدس، والتي يمكن أن تلجأ إلى حماقات كبرى حين تجد نفسها أمام نهاية حتمية. لكن عرض ترامب يمكن أن يعصف بمواقف الكثير من أفرادها البسطاء، الذين ينتمون إلى أسر غاضبة من الشعوب الإيرانية.

استعداد ترامب للتفاوض مع طهران يمكن أن يحسم مواقف الكثير من المترددين، ويعيد توجيه بوصلة المسؤولية عن معاناتهم ويوسع الشرخ بين الشارع الإيراني وبين النظام. بل إن الشرخ بدأ يمتد داخل النظام حيث تعالت أصوات بعض الإصلاحيين بإلقاء اللوم على طريقة إدارة البلاد منذ عام 1979 وتفهم انتقادات أغلبية الإيرانيين.

عرض ترامب كان خطوة عبقرية لا بد منها لنقل الكرة الملتهبة إلى الشارع الإيراني، وإقناعه بأن إسقاط النظام هو الطريق الوحيد لإنهاء أزماته المستمرة منذ 40 عاما.

  • كاتب وشاعر من العراق مقيم في لندن
المصدر - صحيفة العرب
رابط مختصر
2018-08-022018-08-02
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة صوت الأخدود الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

صوت الأخدود