الليلة التي ألهمت فان غوخ

علي الوتيدآخر تحديث : الأربعاء 1 نوفمبر 2017 - 6:03 صباحًا
علي الوتيد

ما أن يُذكر اسم فنسنت فان غوخ حتى يستذكر الناس قصّة قطعه لأذنه؛ ذلك الفعل الذي أقدم عليه أثناء نوبة من نوبات الاكتئاب التي لازمته حتى نهاية حياته.

لكن لكي نعرف فان غوخ الحقيقيّ، يجب أن نتجاوز الصورة الكاريكاتيرية الشائعة عنه باعتباره إنسانا معذّبا وعبقريّا اُسيء فهمه، وأن نركّز بدلا من ذلك على صورته كإنسان مجتهد في عمله ومتديّن جدّا وصعب المزاج.

فان غوخ وجد مكانه اللائق في الفنّ، وإن بعد مماته، وأنتج أعمالا انفعالية الطابع وجذّابة بصريّا طوال فترة اشتغاله بالرسم والتي لم تستمرّ أكثر من عشر سنوات.

وقد علّم نفسه بنفسه ورسم أكثر من ألفي لوحة زيتية ومائية. وأصبحت لوحاته تحظى بشعبية كبيرة بعد موته. وأثناء حياته كتب عشرات الرسائل، خاصّة إلى أخيه ثيو، أوضح فيها بعض أفكاره ورؤاه عن الفنّ.

في عام 1874، كتب إلى شقيقه يقول: أحبّ المشي كثيرا وأعشق الطبيعة، وهذا هو الطريق الحقيقيّ لكي نتعلّم كيف نفهم الفنّ بشكل أفضل. الرسّامون يفهمون الطبيعة ويحبّونها وهي تعلّمهم كيف يرون العالم”.

كانت الطبيعة والناس الذين عاش بينهم هما العنصران اللذان عزّزا ميول فان غوخ الفنّية. وهو في هذا لم يكن لوحده. فقد كانت الطبيعة موضوعا يحظى بالشعبية الكبيرة في فنّ أواخر القرن التاسع عشر.

كان الرسّامون وقتها غير راضين عن التغييرات التي أحدثتها المدنية الحديثة. لذا بحث الكثير منهم عن أماكن تشبه الجنّة الأرضية، حيث يمكن لهم أن يراقبوا الطبيعة مباشرة ويضمّنوا أعمالهم بعض معانيها السيكولوجية والروحية.

كان فان غوخ مفتونا، على وجه الخصوص، بحياة الفلاحين وأسلوب العيش في الريف. وأعماله المبكّرة تحتوي على صور لفلاحين هولنديين وطبيعة ريفية رسمها بألوان مزاجية ومظلمة.

في عام 1886، انتقل الرسّام إلى باريس حيث اطّلع على أعمال الانطباعيين الجدد وعلى لوحات جورج سورا النقطية. وقد ألهمته الألوان المتناغمة لهؤلاء وضربات فراشيهم القصيرة واستخدامهم الوفير للطلاء بأن يُضفي على ألوانه سطوعا وأن يوظّف فرشاة فضفاضة ويركّز على الخواصّ الفيزيائية للألوان على رقعة الرسم.

والأسلوب الذي ابتدعه في باريس وواظب عليه حتى وفاته عُرف بـ “ما بعد الانطباعية”. وهو مصطلح يتضمّن أعمالا لرسّامين وحّدهم اهتمامهم بالتعبير عن مشاعرهم الانفعالية والسيكولوجية تجاه العالم من خلال توظيف الألوان الجريئة والصور التعبيرية، وغالبا الرمزية.

كتب فان غوخ ذات مرّة متحدّثا عن ذهن ومزاج الفنّان وهو يرسم، فأشار إلى حساسيته الفائقة تجاه اللون ولغته الخاصّة وتأثيرات ذلك على التباينات والتناغمات في اللوحة.

في عام 1888، عاد الرسّام إلى الريف الفرنسيّ ليصبح قريبا من بيئة الفلاحين الذين كان قد استلهمهم في وقت مبكّر. وهناك رسم مناظر للطبيعة وبورتريهات له ولغيره وبعض المناظر الداخلية والحياة الساكنة المليئة بالرموز الشخصية.

وقد كتب آنذاك إلى شقيقه رسالة قال فيها: هذا اليوم، راقبت الصباح من نافذتي قبل أن تشرق الشمس بوقت طويل. لم يكن هناك شيء باستثناء نجمة الصباح التي بدت كبيرة ومتوهّجة”.

كان فان غوخ يصف المنظر الذي ألهمه رسم تحفته الأشهر، أي “سماء مرصّعة بالنجوم” عام 1889. والنافذة التي كان يشير إليها كانت في ملجأ في ضاحية سان ريمي حيث كان يقضي فترة نقاهته من مرضه ويرسم.

ولوحته هذه تستدعي الروحانية التي وجدها الرسّام في رحاب الطبيعة. والصورة مشهورة جدّا لأنها تدفع بفعل الرسم إلى خارج المنطقة التي اعتاد الرسّامون أن يجسّدوا من خلالها العالم بشكله الفيزيائيّ أو الواقعيّ.

هذه الصورة الزيتية المتوسّطة الحجم تهيمن عليها سماء ليلية ينيرها ضوء القمر والنجوم التي تحتلّ ثلاثة أرباع مساحة الصورة. والسماء تبدو مضطربة ومهتزّة بعنف، مع أنماط ملتفّة كالدوّامات التي تتدحرج عبر مساحة الصورة كالأمواج.

سماء فان غوخ مأهولة بالأجرام السماوية الساطعة، ومن بينها هلال في أقصى اليمين، وإلى يسار الوسط تبدو نجمة الصباح تحيط بها دوائر وحيدة المركز تصطبغ بالأبيض المشعّ وبالأضواء الصفراء.

وأسفل هذه الألوان التعبيرية تنام قرية هادئة تتألّف من بيوت متواضعة تقوم في وسطها كنيسة يرتفع برجها فوق الجبال الداكنة الزُّرقة في الخلفية.

وفي مقدّمة هذا المشهد الليليّ المهيب أيضا، تقوم شجرة سرو عملاقة يشبه شكلها ألسِنة اللهب وترتفع إلى أقصى الطرف العلويّ للصورة. ويبدو أن وظيفة الشجرة هي الربط البصريّ ما بين الأرض والسماء.

ومن الناحية الرمزية، يمكن النظر إلى السرو كجسر بين الحياة كما تمثّلها الأرض والموت كما ترمز إليه السماء. كما أن أشجار السرو ترتبط عادةً بالمقابر والحِداد.

في ذلك الوقت، كتب فان غوخ لأخيه رسالة يقول فيها: إن منظر النجوم في السماء يجعلني دائما احلم، وكثيرا ما اسأل نفسي لماذا تبدو بقع الضوء في قبّة السماء الزرقاء ابعد من البقع السوداء على خارطة فرنسا”.

“ليلة مرصّعة بالنجوم” تعتمد على الملاحظات المباشرة لفان غوخ وكذلك على مخيّلته وذكرياته وانفعالاته. برج الكنيسة، مثلا، يشبه الأبراج التي سبق أن رآها في موطنه هولندا، وليس في فرنسا. والأجرام التي تأخذ شكل الدوّامات تحاكي الملاحظات الفلكية المنشورة عن سحب الغبار والغاز المسمّاة بـ “السُّدُم”.

التوليف المتوازن والمعبّر في هذه اللوحة مشيّد من وضع شجرة السرو وبرج الكنيسة والغيوم السديمية في وسطها. وضربات الفرشاة القصيرة مع الطلاء السميك تبثّ في نسيج اللوحة بأكمله حركة هائجة ومُغضَبة.

كان فان غوخ يرى أن الليل أكثر حيويةً وأغنى بالألوان من النهار. ومثل هذا المزج في اللوحة بين التباينات البصرية المختلفة أنتجه خيال فنّان كان يعشق الليل ويجد فيه مصدرا دائما للجمال والرهبة. “مترجم”

اللوحة:

https://goo.gl/31qc9u

رابط مختصر
2017-11-01
أترك تعليقك
1 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة صوت الأخدود الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

  • oxygen
    oxygen
علي الوتيد