جَعفر بن علْبَةَ الحَارِثِي وأشعاره في كتاب

صوت الأخدودآخر تحديث : الأربعاء 11 أكتوبر 2017 - 1:46 مساءً

كتاب «جَعفر بن عُلْبَةَ الحَارِثِي .. سِيرَتُهُ وما تبقى مِن شِعرِهِ» للباحث عباس هاني الجراخ حيث حقق ودرس لأول مرة في كتابه الصادر ضمن سلسلة تراثيات دار أروقة بالاشتراك مع نادي نجران الأدبي، أعمال الشاعر جعفر بن علبة الحارثي الذي ينتسب إِلى قبيلة “بني الحارث بن كعب”، وهم “من بيوتات الشُّعراء المعرقة في الجاهلية والإسلام”، حيث تتبع أخباره وشعره من مصادر متفرقة مطبوعة ومخطوطة، وضمها إلى بعضها ودرسها ليكون هذا الكتاب الذي جاء في مبحثين رئيسيين، هما: الأول: سيرته، وحديث مهم عن مقتله، وموضوعات شعره، ودراسة فنيَّة عنه، والأخير: شعره المجموع على الرواية الثانية، محققا، ومخرجا على جملة وافرة من المصادر، مع شرح للمفردات، وذكر للروايات المختلفة.

• موضوعات الشاعر

في دراسته لشعر الحارثي يؤكد د. عباس الجراخ بحسب موقع ميدل ايست أونلاين على أن الشاعر حافظ في ألفاظه ومعانيه على الأنماط القديمة، ولم يخرج في أغراضه الشعرية على ما طرقه معاصروه أو سابقوه، وقد برز هنا غرضان رئيسيان هما: الحماسة والغزل، في طاقة شعرية متدفقة، تحققت فيها عناصر الإبداع الفني، وتعددت أفانين القول، وتوسعت معانيه. ولأن الحياة في الصحراء – التي عاشَ فيها – تقوم على الحركة أساسا، ولما كان الشعر الذي وصل إِلينا – في معظَمه – يدور حول الحماسة والحرب، لذا فلا عجب أن نجد أنماطا من التعبيرات التي شاعت في عَصره وبيئته في نجران.

ويشير د. الجراخ إلى علاقة الشاعر بالدهر هي علاقَة الأقوى بالأضعف – أيضا – ولما كان “اليوم” من وحدات الدهر، رأيناه يضيف هذا اليوم إلى نفسه، كي يكتسب شيئا من خصوصيته:

ألا لا أبالي بعد يومي بسحبل ** إذا لم أُعذب أن يجيء حماميا

فهذه القصيدة – وهي أطول ما وصل من شعره – تبدأ بحادثة قتال الأعداء، والإثخانِ فيهم، وقد استهلها بـ”أَلاّ” الاستفتاحية التي جذب بها الانتباه، وطلب حضور الذهن لِمَا سيقولهُ، وتنتهي بجانبٍ إنساني حزين يقوم على تجربة صادقَة، تذكر خلالها حياته الغابرة وما يضادها الآن في مصيره المُظلم البائس:

أَحقا عباد الله أَن لست رائيا ** صحارِي نجد وَالرياح الذواريا؟

ويحتلُّ المكان هنا: بذكره “نجدًا” أهمية عند الشاعر، فهو كيان واقعي عاشه، ونراه يذكر أمكنة أخرى في أشعارِهِ: قرى، وسحبل، ومكة، وخدوراء، ولعل تكرارَه كلمة “سحبل” في قصيدته اليائية يوحي بالفخر والعزة والشموخ.

ويذكر د. الجراخ دخول الشاعر السجن حيث بدت صورة هذا المكان واضحة عنده، فهوَ يمثَّلُ واقعا حسيا ملموسًا، فسجن “دوَّار” الرهيب شَكا منه عدد من الشعراء الذين دخلوه من قبل، وقد صور جعفر معاناته النفسية في محبسه، وطبيعة الصراع الذي كان يعتمل في نفسه وسلوكهِ، فتركت أَلوانا من العذاب والآلام في شعره، ولقد رسم لنا صورة دقيقة لسجانيه القساة الغلاظ، فإذا هم ثلاثة، يحمل أحدهم جرسا صغيرا يدور به حول المسجونين، أما أقفاله فكبيرة، وصور الأطواق التي كانت تطوقه، فإذا هي ثقيلة، لا يكاد يقوم أو يقعد، إلا آلمته مع صليل حاد لها:

إذا رُمتُ مَشيًا أو تَبَوَّأْتُ مَضجعًا ** يبيتُ لها فوقَ الكِعَابِ صَليلُ

وفي هذه المخاوف والمآسي كانت تتعالى صور الترقب ولمحات الكآبة، وهي تأْخذ مواضعها في فكره، وخاصة في ظلام الليل الموحش، وقد توشحت الأبيات بوشاح الأَسى والحزن، وكان الشاعر موفقا في عكس ما في نفسهِ من حالات الإباء والشمم وعدم التصاغر.

ويأتي الغزل في قطعة ثالثة، إذ أطلق الحبس عواطفه الكامنة تجاه المرأة، وقد تداعت في ذهنه صور أهله البعيدين عنه، فلم يجد في مرارة السجن ومعاناته أفضل من طيف الحبيبة الذي زاره، وهو يخترق جداره المنيع، وبابه الرهيب، ليتعلل به ويبعد عنه وحشته، ويأنس إليه:

عَجِبْتُ لِمَسْراها وأَنَّى تَخَلَّصَتْ ** إِليَّ، وبابُ السَّجْنِ دُونِي مُغْلَقُ

أَلَمَّتْ فحَيَّتْ ثُم قامَتْ فَوَدَّعَتْ ** فَلمَّا تَوَلَّتْ كادَتِ النَّفْسُ تَزْهَقُ

وهكذا غادره الطيف، وصحا الشاعر من ذاك الحلم الدافئ ليعود بعده إلى حقيقته الرهيبة ومصِيره الحتمي في السجن ووحشته وظلامه ومرارته، في صورة حية تنبض بالألم.

• المستوى البيانيّ

ويضيف د. الجراخ “تنهضُ صورُ الشاعر المُستمدَّة من بيئته على أساس من التشبيه والاستعارة والكنايةِ. ونجد المجاز المرسل المركب في قوله:

هوايَ مع الركب اليمانين مصعد ** جنيب، وجثماني بمكة موثق

ففيهِ يُشيرُ إِلى الأَسف والحزنِ واليأس الذي أَلم بهِ من فراقه الأَحبة، ويتحسر على ما آل إليهِ أمره، والقرينة على ذلك حال المتكلم، على ما يفهم مِن عجزِ البيت.

وقال علماءُ البَلاغَةِ: إِن تَعْرِيف المسند إليه بالإضافة كونه أخصر طريق، وقوله: “هواي” أَيْ “مَهويِّ”، وَهذا أخصر من “الذي أهواه”، وَنَحْو ذَلِك، وقد حسَّنَ هذا الاختصار والإِيجاز أن مقام الشاعرَ مقام ضيق وسجن وسآمة.

وفي قولهِ:

لهم صدرُ سَيْفِي يومَ بَطحاء سَحْبَلٍ ** ولي منهُ ما ضُمَّتْ عَلَيْهِ الأنَامِلُ

استعملَ المقابلةَ الضِّديَّة مع أعدائِهِ، إذْ جعلَ صدرَ سيفِهِ في نُحُورِهِمْ، ومِقبَضَهُ في يَدِهِ، وهذا المعنَى أعادهُ في قولهِ:

نُقَاسِمُهُمْ أَسْيَافَنَا شَرَّ قِسْمَةٍ ** فَفِيْنَا غَواشِيْهَا وفِيْهمْ صُدُورُهَا

وعبر هنا بحرفِ الجر “في” من دون اللام لأَنَّ “في” تفيد مجرد اشتمال الأعداء على الصدور لدخولها في أجسامهم واللام تفيد التملك وليس مرادًا وإن كان مقتضَى القسمة، فلعله دفع توهُّمه بالعدول إِلى “في” وذكرها أَوَّلًا تَمهيدًا للثانية. وتَرِدُ الكناية كثيرًا، ففي هذا البيت كنَى عنْ مِقبَضِ السَّيْف بالغاشية، ومَضَارِبِ السُّيُوفِ بالصُّدُور.. وقالَ:

إذا ما قرى هام الرؤوس اعترامها ** تَعَاورها منهم أكفٌّ وَكَاهِل

فـ “القِرَى” هو الطعام الذي يقدم للضيف، وتعاورها بمعنى تَدَاوَلها، وهنا كناية عن كثرة الضَّربِ في المعركة، واهتم بالتشبيه الذي صاغه مِن مدركات حِسِية في رآها بنفسهِ، كقولِهِ:

تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى كَأَنَّ ضَجِيْجَهُمْ ** ضَجِيْجَ دَبَارَى النِّيْبَ لاقتْ مُدَاوِيَا

كأنَّ العُقيْلِيِّيْنَ يَومَ لقيتهُمْ ** فِرَاخُ القَطَا لاقَيْنَ صَقْرًا يَمَانيا

ففي البيتين استخدم أَداةَ التَّشبيهِ “كأنَّ” مرَّتيْن، وفيهما شَبَّهَ أعداءَهُ من بني عُقَيْل في صُراخِهِم وضَجِيجِهم بِضَجِيج النُّوقِ التي أَصَابَها الدَّبر، وهي تضجُّ من مُداوِيْها. وفي البيت الثاني شَبَّهَهُم بفراخ القطا وهي تَفرُّ هاربةً منهُ، لا تلوي على شيءٍ، بِاْنْقِضاض البازي عليهَا. فَالتشبيهُ في البيتين: صَوتِيّ + حَركِيّ.

وكل هذا ليؤكد شدَّةَ المعركة، وحالَ أَعدَائِهِ، وقد انهزمُوا منهُ مذعورين لا يلوونَ على شَيءٍ.

ومن الصور الجميلةِ قَوله:

إذا القومُ سَدُّوا مَأْزِقًا فَرَجَتْ لَنَا ** بِأَيْمَانِنَا بِيْضٌ جَلَتْهَا الصَّيَاقِلُ

المأزِق: موضعُ القتال، ولكنَّها جاءتْ هنا استعارة للدلالة على الموقف الحرج، يريدُ أنَّهُم إِذَا سدُّوا عليهم موضعَ القتالِ فرَّجتهُ سُيوفهم.

واستعملَ ضمير المتكلِّم مدفوعًا بنزعة الفخر والانتصار على أَعدَائِهِ، أو كلمة “النفس” التي تُشكِّلُ تواصُلاً لِمدلولِ المتكلِّم ذاكَ.

وفي قَصِيدَتهِ القَافِيَّةِ التي بَدَأَها بِقَولِهِ:

أَلَمَّتْ فحَيَّتْ ثُم قامَتْ فَوَدَّعَتْ ** فَلمَّا تَوَلَّتْ كادَتِ النَّفْسُ تَزْهَقُ

نرى تكرارا إيقاعيا، إذْ تتماثل قوالب الأداء، وفي الوقت نفسهِ نرى الأفعالَ “ألمَّ” و”قام” و”تولَّى” جسدت الحركةَ في وَضعِهَا الماديّ، في حين أنَّ الفعلين “وَدَّعَ” و”تزهق” جسدا حَركتين نفسيتين تابعتين لسابقاتها.

وتجسد الموت مقترنا بصورة الحرب، وإن إدراكه لحتمية الموت دفعه للجرأة عليهِ:

فلا تحسبِيْ أنِّي تَخَشَّعتُ بَعدَكُمْ ** لِشَيْءٍ، ولا أنِّي مِنَ المَوْتِ أَفرقُ

واستعمل صيغةَ النَّهي “لا تحسبي” لإبراز قوته وعدم الخوف منه، وقال “بعدكم” بالجمع والتذكير، ولم يقل “بعدَكِ” بالمفرد، برغم مخاطبتهِ المؤنَّث، لأنَّهُ قَصَدَ تعظيمَهَا ورفعَ شَأنها، وأعاد “لا” في عجز البيت.

ولا أَنَّ نَفْسِي يَزْدَهِيها وَعِيدُكُمْ ** ولا أَنَّنِي بالمَشْيِ في القَيْدِ أَخْرَقُ

وكيفَ؟ وفي نفسِي حُسامٌ مُذَلَّقٌ ** يَعَضُّ بِهَاماتِ الرِّجالِ وَيَفْلقُ

وفي البيت التالي استعمل حرف العطف “الواو” مع “لا” النافية أيضًا، في تكرارٍ واضحٍ.

ولجأَ في البيت الأخير إِلى صِيغَةِ الاستِفهَامِ، فَبَدَأَهُ بـ: “وكيف”، وفيهِ صوَّرَ السيفَ كحيوانٍ مفترسٍ يعضُّ رؤوسَ الرِّجَالِ، ويفلقها، في صورةٍ استعاريَّةٍ تشخيصيَّةٍ.

ومنْ حَيثُ البحور كان البحر الطويل هو السائد فيما وصل إلينا من شعرهِ، لأنه يتَّسمُ بكثرة المقاطع الطوال، مع قدرتِهِ على احتواء طاقة الانفعال العاطفيّ المندفعة من أعماق الشاعر، وإذا علمنا أنَّ “ما يقرب من ثلث الشعر العربيّ القديم من هذا الوزن” أَدركنَا سَبَبَ شيوعِ هذا البحر عندَهُ.

وهو بعدَ كُلِّ هذا شَاعِرٌ مُفلق، متينُ الشِّعر، جَزلُ الأَسلوب، فضلاً عمَّا في شخصيَّتهِ من الإباء والشَّمم وعزَّة النَّفس وعُنفوانها، وصدق المشاعر وتدفُّقها.

• اللغة الشعرية

وحول اللغة الشعرية للشاعر يرى د. الجراخ أن الشاعر عاش في الصحراء القاسية، يتعسف مجهولها، ويأنس بحيواناتها، ويعرف شعابها ورمالها، فكانتْ لغته – نتيجة لذلك – عالية على نمط الجاهلية نتاج تلك البيئة، بخلاف مَنْ عاشوا حياة المدن، واتسمت بقوة التعبير وجزالة اللفظ وبراعة الوَصف، وكانت أبياتهُ مشحونة بالغريب والوحشي من الألفاظ، لِذا فلا نعجب أن يكونَ ضِمن اهتمام اللغويين، ينهلون منها ويعلون.

وتتردَّدُ في شعره ألفاظ السجن وما يتعلَّق بهِ: الحراس، موثق، الكبول، القيد، باب السجن، الجرس، السلاسل، الجلجل، وتبرزُ الألفاظ المدوية ذات الإيقاع الحربي: العدو، الموت النازل، القتلى، الصرعى، مراق دم، دماء، الغماء، فضلاً عن مرادفات السيف: الحسام، الأبيض، المشرفي. وهو بذلك يحاول تكوين صورة صوتية لتلك البيئة التي عاشها، وتنقل بين فيافيها.

ويؤكد د. الجراخ اهتمام اللغويين والشراح بشعر جعفر الحارثي، فاستشهدوا بهِ، وشرحوا ما رأَوْا أنه يناسب مُصَنفاتهمْ. وضرب أمثلة كثيرة على ذلك منها في قولِهِ:

أَلَهْفَى بِقُرَّى سَحْبَلٍ حِيْنَ أَحْلَبَتْ ** علينا الولايا والعدُوُّ المُبَاسِلُ

أعربَ ابن جني “ت 392هـ”: الباء من “بقرَّى”، و”حين”، وعدَّدَ وُجُوهًا كثيرةً للإعراب، بل انَّ العكبريَّ “ت 616هـ” أَوصَلَ إعرابَ “بقرَّى” إلى ستة أوجه.

واختلف اللغويُّون في “أنْ” الواردة في البيت:

وَلَمْ نَدرِ إِنْ جِضْنَا مِنَ الموتِ جَيْضَةً ** كَمِ العُمْرُ باقٍ، والمَدَى مُتَطاوِلُ

هل هي بالفتح أوِ الكسر؟ كما اختلفوا في معنَى “ضيجة”، وهي بمعنَى: عدل أو انحرف، هل هي من: جاضَ أو حاض أو حاص؟ وذكرَ الهَجَرِيُّ “ت نحو 300هـ”: “ضجنا” بدلاً من “جضنا”، وقال: “ضجنا: ضاد معجمة مجرورة. ضاجَ يضيج ويضوجُ – لغةً، إلاَّ إنَّ الكسرة أفصح، ومثلها: جاض يجيضُ… “.

وكذلك في قولهِ:

ولا أَنَّ نَفْسِي يَزْدَهِيها وَعِيدُكُمْ ** ولا أَنَّنِي بالمَشْي في القَيْدِ أَخْرَقُ

علَّقَ الأَعلَمُ الشَّنتَمَرِيُّ “ت 476 هـ”: “الأخرق: الذي لا يحسن العمل، وهو ضدُّ الصَّنَع، وهو على هذا اسمٌ، ويجوز أنْ يكونَ فعلاً، من: خرق بالأمر…. إذا لمْ يَتَّجِه لهُ”.

رابط مختصر
2017-10-112017-10-11
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة صوت الأخدود الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

صوت الأخدود