(نجران: نجراميتروبوليس مدخل إلى نجران الحديثة)

صوت الأخدودآخر تحديث : الخميس 9 نوفمبر 2017 - 12:52 مساءً

نجران: نجراميتروبوليس مدخل إلى نجران الحديثةكتاب (نجران: نجراميتروبوليس مدخل إلى نجران الحديثة) (Najrammetropolis)، لمؤلفه الباحث الوزير الدكتور محمد بن فيصل أبو ساق حيث يقول: هذا الكتاب ليس عن منطقة نجران بمفهومها الحديث بقدر ما هو رصد وتحليل لأبرز مكونات شخصية نجران بين المكان والزمان والإنسان, وبالتالي فهو ليس مخصص للمنطقة الإدارية بحسب أحوالها الحديثة, لأن فيه إضاءات عن أخبار نجران ما بين عام 24 ق.م وعام 1994م تقريبا. وجاء الكتاب في ثلاثة فصول في كل منها عدد من المباحث. ولعل الجديد فيه انه يضع مقدمات أو مداخل لمعلومات أخرى عن الواقع النجراني وطبيعة الحياة قبل الحكم السعودي؛ ولم ترصد وتحلل بعد كما ينبغي؛ ولعل في هذا الكتاب مفاتيح لفهم تاريخ نجران. ويقع الكتاب في 367 صفحة من القطع الكبير, ويعرض ويحلل لعدد من الوثائق التاريخية التي يمكن أن تكون مقدمة لتنافس الناس على إخراج ما لديهم من وثائق أصبحت بحكم الزمن ملك مشاع أكثر من كونها خصوصيات مقفل عليها. فالناس في الغالب تتعامل مع الوثائق بعمومها وكأنها كنوز لا يجوز فتحها. ومع تقديري لبعض الخصوصيات التي تحتم إبقاء بعض الوثائق وبعض المعلومات بعيدا عن النشر لمدد طويلة جدا, فإن هنالك الكثير الذي نتمنى نشره وتداوله وتحليل مضامينه لإثراء المكتبة النجرانية خصوصا والسعودية بصفة عامة. ومن جديد الكتاب انه أيضا يلم شتات كثير من المعلومات المتناثرة بين المصادر والمراجع ويسهل على الباحثين وضع قائمة طويلة بالمصادر والمراجع التي تهم كل باحث عن الشئون النجرانية القديمة. كما أن فيه تحليلات ومقارنات حول كثير من القضايا التاريخية ومن أبرزها الأخدود, والديانات, واسم وحدود نجران؛ وغيرها. ولا أزعم مطلقا أن احتوى على كل شيء أو سوف يشفي غليل كل باحث ولكني اعتقد أنه ومع جهدي المتواضع سوف يشكل نقلة جديدة أتمنى أن من يتبعها من الآخرين ما اهو ابلغ وأفضل ليقفز مستوى البحث والتحليل عن نجران لما هو أكثر فائدة.

مكان الكتاب في سجل الوطن:

في الكتاب: إن مظاهر التنوع الثقافي والاجتماعي تعد من المكونات الهامة والثرية لشخصية هذا الوطن الكبير. فالمملكة بحكم مساحتها الجغرافية وبحكم تاريخ كل جزء منها تشكل تنوعا رائعا ومهما يفترض أن نبرزه ونعتز به لتصبح المكتبة الوطنية أكثر ثراء وأفضل عرضا لأن في سجلات تاريخ المملكة صفحات وسطور كثيرة تستحق التحرير والعرض والنشر. وهنالك حوافز كثيرة تقدمها دارة الملك عبد العزيز بجهود فائقة ورائعة يدفع بها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز تستحق الشكر والعرفان ونتمنى أن تكون الاستجابة والاستفادة بحجم طموح الدارة ومجلس إدارتها. وبعض أجزاء المملكة تمت تغطيتها بالكثير من الوسائل من كتب وتقارير وبحوث أكاديمية ومصورات وتسجيلات متنوعة. ومع كل تقديري للجهود الخيرة التي تمت, فلا تزال نجران مرتعا خصبا للمزيد من البحث والتحليل لنشر وعرض ما فيها من كنوز ثقافية مادية وغير مادية. ولأهمية إبراز التنوع الثقافي لمناطق المملكة فقد أصبح معلوما أن هذا نهج يعد من ثوابت السياسة الداخلية للدولة، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المناطق، حيث ظلت كل منطقة من مناطق المملكة تتمتع بمميزاتها وخصوصيتها الجغرافية والتاريخية التي تشكلت منها شخصية المنطقة، وأكسبت سكانها سيماهم الذاتية وطبائعهم وموروثاتهم الاجتماعية. بل وحرصت الدولة على إبراز ذلك التنوع وتلك الخصوصية في صورة حضارية معاصرة، تجسدت في (المهرجان الوطني للتراث والثقافة)، الذي يقام سنوياً في مقرِّه الدائم بـ (الجنادرية) بمدينة (الرياض). فهاهي مناطق المملكة تشارك في المهرجان الوطني، لتعرض كل منطقة من خلاله موروثها الثقافي ــ بجانبيه المادي والمعنوي ــ وذلك للتأكيد على أن هذه الظاهرة هي انعكاس لأصالة المجتمع السعودي وعمق جذوره التاريخية والحضارية.

وما هي لمحات الخصوصية النجرانية:في إطار هذه الخصوصية والتنوع الجغرافي والتاريخي لمناطق المملكة, يأتي هذا الكتاب عن (نجران) – المكان والإنسان – تلك المنطقة التي فرضت ذاتيتها الجغرافية والبشرية على التاريخ القديم والوسيط والحديث، حيث كانت (نجران) ــ على مدى ألف ومئة سنة من الزمن تقريبا ــ مركزاً اقتصادياً هاماً لوقوعها على طريق القوافل التجارية التي تجوب العالم القديم؛ كما كانت مسرحاً للمحرقة التاريخية التي ارتكبها الملك الحميري اليهودي (ذو نواس) ليجبر نصارى نجران على الدخول في اليهودية، فلما رفضوا ألقاهم في الأخاديد التي حفرها لهم وأضرم فيها النيران. وشهدت نجران في العصور المتأخرة والعصر الحديث عدد من الحروب والصراعات. وانتهى بها الحال أن هيأ لها الله سبحانه وتعالى أن تكون ضمن هذه المملكة السعودية المترامية الأطراف والتي ما أن توحدت حتى زادها الله من فضله أمنا واستقرارا وازدهارا. وقد سجَّل النجرانيون تاريخهم الطويل ــ القديم والوسيط والحديث ــ نحتاً على الصخور، وذكراً في المصادر التاريخية النصرانية والإسلامية، وسرداً للكثير من الروايات التي تتناقلها الأجيال ــ إلى يومنا هذا ــ عن عبقرية المكان والإنسان في (نجران). وكان مؤلف الكتاب قد أشار في ورقته بمنتدى نجران الاقتصادي في عام 2010م أن “مسرحا للصوت والضوء” في مقر الأخدود بنجران يمكن أن يشكل نقلة نوعية وإضافة سياحية وثقافية واقتصادية لنجران. وفي مسرح الصوت والضوء المفترض يمكن عرض عدد من القصص والروايات التاريخية التي حدثت أثناء حصار الأخدود وخلال أيام حريقها ومجزرتها وقتل أهلها, حيث حدثت معجزات وسجلت مواقف بطولية ظلت ذكراها شاهدا إلى يومنا هذا.

دخول المسيحية:في هذا الشأن يعرض الكتاب ويحلل لعدد من الروايات ومنها روايات أوردها المؤرخون والمفسرون المسلمون, عن دخول النصرانية إلى نجران، في سياق تفسيرهم لقصة أصحاب الأخدود، التي أوردها القرآن الكريم في إيجاز محكم، كإشارة إلى الصراع الأزلي بين الخير والشر، وتعرُّض أهل الإيمان في كل عصر إلى الفتنة والابتلاء. ومن أشهر الروايات العربية في هذا السياق، ما أورده (ياقوت الحموي) في كتابه:”معجم البلدان”، والتي يذكر فيها أن رجلاً صالحاً، متعبدًا، مستجاب الدعوة من بقايا أهل دين عيسى (عليه السلام)، يُدعى (فيميون), كان يتنقل بين القرى، ويحرص على العمل والكسب من ذات يده، وأنه كان يخرج إلى الصحاري للعبادة حتى لا يشعر به أحد، وأنه كان يبرئ المرضى بدعائه لهم. وعندما كان ينكشف أمر صلاحه عند أهل القرية التي يكون فيها، يقوم بالخروج منها إلى قرية أخرى. وقد انتهى الأمر بذلك العابد الصالح أن اختطف هو ورفيق له وبيعا في (نجران). وأثناء إقامته فيها وجد أهلها يعبدون نخلة عظيمة بين أظهرهم، ويجعلون لها عيداً يمجدونها فيه، فقال (فيميون) لسيده: إن ما يفعله هو وأهل نجران من عبادة النخلة أمر باطل، وأنه لو دعا ربه لأهلك تلك النخلة، فقال له سيده: افعلْ، فإن هلكت النخلة اتبعنا دينك، فقام (فيميون) فتطهَّر وصلى، ثم دعا ربه، فأرسل على النخلة ريحاً فعجفتها من أصلها، وعند ذلك اتبعه أهل نجران. هذه الرواية مجرد إشارة وفي هذا الشأن التاريخي مبحث خاص وشامل يعرض لعدد من الروايات. وقد تضمن الكتاب أن اسم (فيميون) أو (فيمنون) استمر أثره في نجران إلى عهدنا الحاضر. فقد كان حجاج نجران منذ العصور القديمة يتوارثون اسم فيميون كرمز فأل ودليل إرشادي ينادون به على التائه منهم. وحين يسمع أحد من جماعات حجاج نجران صوت شخص ينادي بأعلى صوته قائلا: يا فينون، فإنهم يعلمون أنه إما شخص تائه عن جماعته، أو أنهم جماعته ينادون عليه لإرشاده إلى حيث يكونون في المشاعر المقدسة. وقد أصبح متعارفا بين أهل نجران أن من سمع هذا النداء سيقوم بدوره بالمناداة، لعل الشخص التائه يسترشد حينما يسمع أكثر من صوت، وقد يكون قريبًا من بعض الأصوات, وبالتالي يرشدونه إلى حيث تكون جماعته. كانت مسرحاً للمحرقة التاريخية التي ارتكبها الملك الحميري اليهودي (ذو نواس) ليجبر نصارى نجران على الدخول في اليهودية الروايات عن شخصية من شق الأخدود: يتضمن الكتاب: وأيًا من كانت شخصية من خد الأخدود وحرق فيه نصارى نجران، وأي كانت أهدافه من وراء ذلك، دينية كانت أم سياسية أم اقتصادية، فإن المؤرخين والمفسرين المسلمين قد أجمعوا على وقوعها في بلاد نجران، وكانت تلك الحادثة سببا من أسباب شهرة نجران التاريخية والدينية. وأما الرواية المسيحية لقصة أصحاب الأخدود فقد كتب عنها في كثير من المصادر, كما عرضت عنها في الكتاب بقدر اجتهادي. ومن المصادر الجديدة نسبيا والشاملة في مضمونها مخطوطة محققة عن استشهاد (القديس حارث بن كعب ورفقائه في مدينة نجران)، حققها وقدم لها (الأب حارث إبراهيم) – أحد قساوسة كنيسة (سيدة البشارة) بدولة الكويت. وتشير المخطوطة إلى كثير من التفاصيل التي لم ترد في المصادر التاريخية الإسلامية. وتعكس صورة دقيقة لأحوال نجران الدينية وما حولها من البلدان في ذلك الزمن الموغل في القدم. كما أن المخطوطة تشير إلى انتشار النصرانية في تلك البلاد عدا مملكة (سبأ).

الإثارة حول حقيقة كون الأخدود في “نجراننا” من عدمها:يقول المؤلف: في الحقيقة أن هذه الجزئية المهمة كانت سببا في تأخير نشر الكتاب, لرغبتي في المشاركة فيها بعد التأني وإعادة النظر انطلاقا من الأطروحات القائلة بعدم وجود ما يثبت ويؤكد أن الحادثة الشهيرة هي في نجران السعودية. ولم أكن ارغب في أن يقرأ رأيي إلا من خلال الكتاب بعد صدوره فعليا. والكتاب يضمن رأيي في حادثة الأخدود مؤكدا بالأدلة أنها تلك التي أطلالها تقف على ضفاف وادي نجران شاهدا عبر الزمن الطويل.

ويضيف: وتهمني الحقيقة وما أخشاه هو أن تكون مشاركتي في هذه الجزئية مختصرة جدا لأن في الكتاب تحليل شامل ومزود بالأدلة التي أرجو أن تقدم إجابة شافية تؤكد بما لا يدع للشك مجالا أن “نجراننا” كما أشرتم أعلاه, هي بالفعل التي تحتضن هذا الموروث التاريخي العظيم المتمثل في أرض المؤمنين ومحرقتهم التي ذكرت في القرآن الكريم. وفي هذا أقول باختصار مبقيا الكثير عند النشر, أن أحد الباحثين المتخصصين في اللغة السبئية قد أكد على حصار (نجران) وحفر الأخدود بها، حيث أشار إلى أن هناك ثلاثة نقوش أثرية تثبت حملات (ذي نواس، المعروف بـ: يوسف أسأر يثأر) لتحرير اليمن من الاحتلال الحبشي واستعادة عرشه، أحدها محفور على صخرة في (جبل الكوكب- في نجران السعودية)، على مسافة (125) كم شمال شرق نجران، أما النقشان الآخران فقد تم العثور عليهما بالقرب من (بئر حمى) الذي يقع على مسافة (85) كم شمال شرق (نجران)؛ وتتحدث النقوش الثلاثة عن قيام قوات (ذي نواس) بفرض حصار بقيادة (شرحئيل ذي يزن) وطلبه من أهل نجران تقديم الرهائن من الأهالي، وأن أحد هذه النقوش تحدَّث عن أخدود (نجران). ويعود تاريخ هذه النقوش الثلاثة إلى عام (633حميري = 518 ميلادي) ومن النصوص التي ترجمها أحد الباحثين المختصين في اللغة اليمنية القديمة وترجمتها, وهو من العاملين في مجال الآثار والنقوش السبئية وترجمتها, ونشره في كتاب مهم, وهو من مراجع كتابي عن نجران, جاء في ترجمته عن أحد النقوش النجرانية الخاصة بحادثة الأخدود نصٌ قال فيه: «ولأن الملك كان قد أرسل باثنين من عمَّاله إلى نجران ليطلبا منهم تقديم رهائن، أو يشن عليهم حرباً، أو يفرض عليهم حصاراً، ولأنها ـ أي نجران ـ رفضت تقديم الرهائن، فقد شقوا لهم أخدوداً مليئاً بالنيران /مجمَّرة. ولكي يخففوا من معاناتهم/ هذا العنت، فإن أهل نجران حفروا/ شقوا مسائل للمياه ومخابئ/ أنفاقاً كثيرة، وكل غزاة الجنوب وهبوا ما يربوا على مئة رهينة». ولعل هذا النص المترجم من نقش في جبل بنجران يضع نهاية لأي اجتهاد في هذا الشأن. وهناك من الباحثين اليوم من ادَّعى أن الأخدود لم يُحفر في منطقة نجران الواقعة في جنوب المملكة العربية السعودية، وإنما حُفر في نجران أُخرى تقع في الشام أو فارس؟! وهو ادعاء مردود بحقائق التاريخ الثابتة وشواهد الجغرافيا القائمة في نجران السعودية إلى اليوم، وحسبنا أن نشير إلى أن كتابنا قد تضمن بعض الحقائق العلمية والتاريخية التي تفنِّد هذا الادعاء وتقوّضه؛ رغم وضوح ما تضمنه النقش النجراني المترجم. وفي الحقيقة, لا يمكن لعاقل أن يفترض أن هنالك مؤامرة كبرى صيغت ونسقت بدقة الكمبيوتر لتزييف مكان الأخدود وإيهام العالم بأنها هنا في نجران السعودية. وأقول ذلك بحكم الأدلة المتواترة من مخطوطات نسخت قبل الإسلام وفي صدر الإسلام في طور سيناء, وفي غيرها, وأخرى في جبال نجران, وثالثة في أرض الأخدود ومدافنه ومحارقه الهائلة وما فيها من بقايا رماد وعظام. ثم أيضا وجود قبيلة (الحارث بن كعب), ووجود اسم (ابن ثامر) الموقع والضريح, ووجود الأخدود، الموقع والاسم … وغيرها من أدلة المؤرخين المسلمين. وفوق ذلك حجم المشاعر والموروث الشعبي النجراني الذي يصعب تزييفه دون مبرر وشواهد حية يرونها بينهم ويتوارثون تاريخها جيلاً عن جيل، حيث الأسوار والقصور والحفر والمحارق وغيرها في أرض الموقع المسمى الأخدود. وفي كتاب “نجران” مجال حديثنا أشرت إلى زعم الباحث أن غايته من إثارة هذا الموضوع هو رفع الجور والظلم بالتحريق والآلام عن أهل نجران !؟. ثم يقول: وإذا ثبت هذا فهي إدانة لليهود!!. وهذا الكلام يناقض بعضه بعضاً، ويحمل مقومات رفضه في ذاته، ذلك أننا لم نسمع من قبل أن باحثاً أكاديميا رفض الإذعان لحقائق التاريخ وشواهد الجغرافيا، واعتمد على ظنونه وتخيلاته ليرفع الجور والظلم الذي وقع على قوم من الأقوام قبل آلاف السنين ليتهم به أقواماً آخرين يعيشون في عصرنا الحاضر. إن مهمة الباحث الحصيف هي إثبات الحقائق بالوثائق والأدلة والبراهين العلمية وليست مهمته لي عنق تلك الحقائق والتشكيك فيها لتحقيق أي هدف، مهما كانت أهمية هذا الهدف في نظر صاحبه. ونختم في هذا الخصوص بالتأكيد على أننا لم نكن في حاجة إلى التفصيل ( رغم ما في الكتاب من تفصيل وأدلة وتحليل) لولا رغبتنا في وضع الأمور في نصابها الصحيح, خصوصاً أن القرآن الكريم قد أنصف أهل الأخدود وسماهم المؤمنين وشهد بحادثتهم, وليسوا بحاجة بعد هذا الشرف أن يتم إنصافهم بأي طريقة مستحدثة كما أشار الباحث المشكك في أخدود نجران.

شهرة النجرانيين قديما:في الكتاب مبحث كامل عن خصائص النجرانيين وحرصهم على اقتناء الأسلحة والخيول وآلات الحرب. وجاء فيه: … نجد أن عهد الصلح الذي تم بين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبين (نصارى نجران) – والذي أشرنا إليه في معرض حديثنا عن دخول النصرانية نجران– قد تضّمن – فيما تضمن – أن يقوم نصارى نجران بتسديد الجزية المفروضة عليهم – أو جزء منها – في صورة دروع، أو خيل، أو ركاب، إذا أرادوا ذلك، على أن تخصم قيمتها المالية من الجزية. كما ألزمهم في عهد الصلح بتزويد المسلمين– إذا وقعت لهم حروب في اليمن – ببعض الآلات والوسائل الحربية – المستخدمة آنذاك– كالدروع والخيول والجمال…. وغيرها، وذلك على سبيل الإعارة، على أن يلتزم المسلمون بردها – إذا كانت باقية في أيديهم بعد الحرب – أو بضمانها وتعويض قيمتها المالية لهم، في حال هلاكها، وهو ما نصّ عليه العهد بالقول: “…. وما قضوا من دروع، أو خيل، أو ركاب، أو عروض، أُخِذَ منهم بالحساب. وعلى نجران مئونة رسلي ما بين عشرين يوماً فما دون ذلك، ولا تحبس رسلي فوق شهر. وعليهم عارية: ثلاثين درعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً – إذا كان باليمن كيد ذو مقدرة – وما هلك مما أعاروا رسلي من دروع، أو خيل، أو ركاب، أو عروض، فهو ضمين على رسلي حتى يؤدوه إليهم”. ولا شك أن شهرة النجرانيين القتالية وحرصهم على اقتناء وسائل الحرب وآلاتها كانت ذائعة بين العرب بعامة، وقريش بخاصة، بحكم ترددها على نجران في رحلاتها التجارية – التي اشتهرت منها رحلتا الشتاء والصيف – كما نص على ذلك القرآن الكريم. لهذه الأمور نقول إن (أهل نجران) كانوا أحد العوامل التي أكسبت نجران شهرتها وأهميتها التاريخية، لما تميّزوا به من قوة وبأس وحكمة وجاه وحسن بيان، وهي مطالب رئيسة للحياة في المجتمعات القبلية, التي لا توجد فيها حكومات وتشريعات مدنية, وفي الكتاب تفاصيل وإضافات كثيرة مدعمة بالأدلة وموثقة بالمراجع. طبيعة الحياة في نجران قبل الحكم السعودي: اجتهد المؤلف وقام بمسح شامل لمصادر المعلومات عن شئون نجران وطبيعة الحياة فيها قبل الحكم السعودي ومن ذلك الأوضاع العامة في شبة الجزيرة العربية قبل الحكم السعودي فتضمن الكتاب ما يخص الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والصحية والأمنية والسياسية. وقد قام المؤلف قبل ثلاث سنوات تقريبا بنشر لمحات من مسودة البحث لإعداد هذا الكتاب في “صحيفة الأخدود الالكترونية” رغبة منه في المبادرة بطرح شيء عن نجران على صفحات الانترنت. ويؤكد المؤلف أن ما تم نشره رغم انه مختصر قد لقي قبولا حسنا. ولا يزال يتلقى الكثير من المراسلات من داخل وخارج المملكة وخصوصا في أوساط طلاب الجامعات مما حمسه كما يقول كثيرا للتعجيل بنشر الكتاب ووضعه بين أيدي الجميع.

وماذا عن شئون الأمن قديما:تضمن الكتاب مبحثا خاصا بالأمن فيه إضافات لما سبق نشره من قبل المؤلف أو غيره من الباحثين وفيه تحليل وتدعيم بالمصادر . وتعد الأسواق الأسبوعية أهم حدث يستحق الكثير من الجهود المحلية لضبط حالة الأمن. وتجدر الإشارة إلى أن حماية الأسواق وتوفير الأمن والأمان لمرتاديها من الأهالي، كانت تتم باتفاق مكتوب بين زعيم السوق – أي الشيخ الذي تسمى السوق باسم قبائله – وبين أعيان وعقلاء رجال قبائله، وبناء على هذا الاتفاق يكون الجميع ملتزمين بتأمين سوقهم، إذ إن اضطراب السوق أو انتشار الفوضى وعدم الأمن فيه يُعدُّ إهانة وتقليلاً من شأن القبيلة كلها، وليس للشيخ وحده أو أحد بمفرده من كبار القبيلة وعقلائها. وقد حفظت لنا المصادر مشهدًا مصورًا لما تم في أحد أسواق (نجران) من هرج ومرج واضطراب بسبب قيام إحدى القبائل المسئولة عن السوق بعقوبة بعض المخالفين الذين حاولوا الفرار فأشاعوا الخوف والفوضى بين الناس. ويروي تفاصيل هذا المشهد (حبشوش) وهو من يهود اليمن، وقد رافق عالم الآثار الفرنسي (جوزيف هالفي) في رحلته إلى (نجران) سنة 1870م, وغيرها من مناطق جنوب الجزيرة العربية، للتنقيب عما بها من آثار في نهاية القرن التاسع عشر، وليعمل مترجما ويدله على الطريق بين صنعاء ونجران. يقول (حبشوش) أنه كان واقفًا في السوق مع أحد بني جلدته من اليهود يشربون الماء فإذا بحالة الفوضى والخوف تدب بين الناس، ما جعلهم يتركون ممتلكاتهم وبضاعتهم ويلوذون بالفرار حتى لا يصيبهم شيء من الضرر.. ولنترك (حبشوش) نفسه يصور الرواية بلهجته اليمنية القحة فيقول: إنه عندما كان هو وصاحبه يشربان الماء “.. فإذا بصوت ثور الفتنة في الحال، والناس قد صاحوا صيحة واحدة وهربوا (…) وفي الحال ما ذهنت إلا وما عاد ناس في السوق، ولا فرد. أما مفارشهم ببضاعتها فجميعها باقية، ولكن مع الهريب قد داسوها. فبينما أنا مبتلد وإذا قد رجعوا الناس وكلهم ينطقوا ويقولو: سوق، سوق، سوق. فعاد الآخر ما قد وصل إلى مفرشه، وإذا صوت العياق ثاني مرة، والمتسوقين رجعوا للهريب. وأنا مستنيب مكاني في وسط السوق، وقد عرفت إن لم يعترضوني حيث وأنا غريب عندهم. فحضّرت فكري لأعرف إلى أين الهريب، فإذا كل واحد يهرب إلى جانب. وما دام وسوق دحضه هذا في صرحه لهم، وحوالين أشجار النخيل، فكان يدخلوا بينها.. وما زاد رأيت أحد إلا رجال الحرب نصرتهم، يبعدوا أقباعهم من روسهم، ويندشوا قشعتهم ويشطروا في النخيل الذي هو قريب وليس بمرتفع، وسلاحهم معاهم، وهم يتزنبوا وسط شجر النخيل ويطلقوا الرصاص وقت الفتن. وبعد قليل لهذه الفاغات نزلوا من النخيل الشجعان، والناس ارتدوا من الهريب إلى السوق، وكلهم يقولوا: سوق، سوق. المعنى لهم إن الأسواق تكون مهجر، ولو كان دين أو خطأ أو حتى قتل فلا قضا ولا خطاب في السوق للا تثور الفتنة. ومن خالف شرعهم هذا تعاونت جميع القبائل عليه”. العمارة النجرانية: كانت صناعة البناء إحدى المهن الرائجة في نجران، حيث تشتهر العمارة النجرانية بطُرزها الخاصة، التي تتميز بجمال زخارفها، وقوة تحملها. واشتهرت العمارة النجرانية بارتفاع بنيانها وتعدد طوابقها– التي تصل في بعض البنايات إلى تسعة طوابق – وكثرة غرفها، وتعدد أغراضها. ويذكر (فيليب ليبنز) في كتاب: (رحلة استكشافية في وسط الجزيرة العربية”،أنه دخل البيوت النجرانية لمعالجة أحد المشائخ في نجران – ويدعى (يحيى) – وفي وصفه لهذا البيت قال: ” .. وهو عبارة عن مجمع واسع مؤلف من برجين عاليين متقابلين. دخلنا من باب محاط بسور، حيث كان أحد الخدم ينظم تحركات الأبقار التي تشرب من ماء البئر المحاط بالنخيل .. وبصحبة أخوة الشيخ تسلقنا الـ (98) درجًا والأدوار السبعة في أحد الأبراج، الذي يصل عُلوه إلى عشرين مترًا؛ (لاحظ الارتفاع الشاهق للبناية قياسًا ببنايات ذلك الوقت). “فبيت النجراني هو قلعته الحصينة” التي يحتمي بها – كما وصفه (فيلبي) – لاشتمال المبنى على: فتحات مخصصة لإطلاق النيران منها على الغازين، ولصغر حجم نوافذ البيوت النجرانية وارتفاعها الكبير عن سطح الأرض، حتى لا تسمح لأحد بالدخول منها إلى الداخل لأغراض السرقة أو السطو. وهي محاطة من الخارج بسور قوي مرتفع . ويذكر (طلعت بك وفا) عما شاهده في نجران أن البيوت النجرانية تبدو وكأنها “حصن منيع، يسوّره سياج (أي سور)، يضم البئر المعدة للشرب ولسقيا الزرع احتفاظاً بالمياه، واستعداداً لمقاومة المهاجمين من جيرانهم؛ ويتألف بعض هذه البيوت من ثلاث إلى أربع طبقات وبعضها إلى عشر طبقات، وكلها مبنية بالطين بطريقة (المداميك).

الأعراف والتقاليد في حياة الناس قبل الحكم السعودي:من ملخص مبحث كامل في هذه الجزئية يقول المؤلف: كانت الحياة الاجتماعية في نجران تخضع لمنظومة من الأعراف والعادات والتقاليد، المستمدة في أغلبها من الدين الإسلامي. وكان لتلك المنظومة تأثيرها القوي على حياة الناس، بحيث يُعدّ الخروج عليها أو التهاون فيها مدعاةً للوم والتوبيخ والنبذ الاجتماعي. بل إن بعض هذا العادات والتقاليد والأعراف كانت تدوّن في وثائق ويشهد عليها الشهود؛ لتكون أقوى وأشد إلزاماً لأفراد القبيلة التي تعاهدت عليها. ولنا أن نتصور كيف كانت الحياة تتم قبل وجود الحكومات, وتحول المجتمعات عموما إلى مجتمعات مدنية تتنامى فيها القيم والعلاقات الاجتماعية تحت نظر الحكومة وبتعاون كل عناصر الدولة وقواها الاجتماعية. وكانت نجران تعرف بأنها واحدة من أكثر حواضر جزيرة العرب استقرارا وازدهارا, ويعود ذلك إلى التزام المجتمع النجراني بموروث قديم من العلاقات الاجتماعية. وعرف عن الحياة الاجتماعية في نجران أنها كانت تخضع لمنظومة متينة من الأعراف والعادات والتقاليد، المستمدة في أغلبها من الدين الإسلامي, ومن مكارم أخلاق العرب التي جاء الإسلام ليتممها؛ فكان لتلك المنظومة تأثيرها الإيجابي القوي على حياة الناس. ويذهب أحد الباحثين إلى القول بأن المجتمع النجراني من المجتمعات المتعصبة لعاداتها وتقاليدها القديمة المحبة لها، الحريصة عليها. وتضمن الكتاب بحثا وتحليلا متكاملا في هذا الخصوص يغطيه بما يليق مما توفر من المعلومات.

المرأة النجرانية في الكتاب:في الكتاب عن المرأة ما يعكس طبيعة الحياة القديمة وقد إحتوى الكتاب بعض الوثائق التي تبرهن عن مكانة المرأة في المجتمع النجراني. وفي هذا الشأن يعرض الكتاب لظاهرة استلفتت كل من زار نجران من الأجانب أو العرب، فمما ذكره (فيليب ليبنز) في كتابه: “رحلة استكشافية في وسط الجزيرة العربية” عندما زار نجران عام 1951م عن امرأة ضلّت طريقها في الصحراء: “هناك بدوية تائهة بدورها، موقدة نارًا ينتشر دخانها الأسود في الأفق؛ أين هي خيمتها؟ كانت تنظر إلينا باندهاش ونحن نمرُّ أمامها، ولاشك أنها كانت تحسبنا من مرافقي الأمير في رحلة الصيد. إن قوانين الصحراء في نجران مطلقة: المرأة دائمًا في أمان أينما وجدت منعزلة، ومهما كانت قبيلتها. إن خرق هذا القانون يعني إعدام المتهم”. وقد ذكر ( ليبنز) في كتابه موقفًا آخر يتعلق بالمرأة النجرانية يؤكد مسؤولية المجتمع في الحفاظ على المرأة وعدم تعريضها لما يخدش حياءها، حيث حاول ( ليبنز) التقاط صور لبعض البدو مع جمالهم ليوظفها في كتابه عن نجران عند نشره في المستقبل، ففوجئ بمن يمنعه من ذلك، لوجود امرأة نجرانية بين من كانت ستلتقط لهم الصورة، وقد تعجَّب (ليبنز) من هذا الموقف، إذ إن من أقدم على منعه من التقاط الصور ليس من أهل المرأة أو أحد محارمها، وإنما ممن ليس لهم أدنى علاقة قرابة بها من أهالي نجران. يقول (فيليب ليبنز) واصفًا ذلك الموقف: “وفي منتصف النهار، حاولت التقاط صور لبعض البدو – من بينهم امرأة – وجمالهم، لكنني ووجهت باعتراض قطعي، فأخذ واحد منهم مني آلة التصوير قهرًا بعد ما كنت قد أوقفتها قبل أن يضع إصبعه على عدستها”، فلم تشغل آلة التصوير – رغم غرابتها على المجتمع في ذلك الحين وحرص الجميع على أن تلتقط صورته – عن الحفاظ على حياء النساء وكرامتهن، إذ اعتبر التقاط صورة لها من قبل أجنبي خدش لهذا الحياء وانتهاك لكرامتها.

التعليم والحالة الفكرية في نجران قديما وقبل الحكم السعودي:يعرض الكتاب لمقومات الحياة التي كانت سببًا في استمرارية نجران مأهولة ومنطقة حضارة متواصلة عبر التاريخ. وقد عرفت نجران التعليم التقليدي الذي استمر عبر القرون بنفس الوتيرة. وكانت الكتاتيب تنتشر في قرى نجران، فتضم كل مدرسة عشرات الطلاب الذين يقوم على تعليمهم معلم واحد، يتولى جعل الطلاب يُتمُّون قراءة المصحف الشريف كاملا ويتقنون الكتابة. وينتقل الطلاب إلى مرحلة أخـرى، هي حفظ أجزاء من القـرآن الكـريم. وفي الوقت نفسـه يتولى المعلم – بمساعدة الوالدين – تعليم الأبناء أصول الدين والطهارة، حتى يسهل عليهم إتقان الصلاة والصيام ومعرفة الحلال والحرام، بحيث يصبح ذلك الأمر برنامج حياة طبيعي ومألوف، يُنتقد ويُعاقب من يقصر فيه أو يتكاسل عنه. وفي مرحلة لاحقة، تتم الدراسة الشرعية لمن لدية القدرة عبر شكل متدرج، حسب قابلية الشخص للاستمرار والإتقان. ويتم ذلك على يد معلم دين مُجاز. وتتولى المرجعية الدينية للمذهب الإسماعيلي مساعدة الناس في توفير معلمي الدين وإجازتهم لذلك، ضمانًا لكفاءة المخرجات الفكرية. وهكذا فإن أهل نجران يعتقدون أن أرضهم لم تخل يومًا من بيوت العلم، ومن المعلمين، والطلاب؛ وأن نجران كانت مستقرًا للفكر الإسلامي المنزه من البدع والاجتهادات التي شهدتها بعض بلدان العالم الإسلامي. وبمثل ما تواصل التعليم التقليدي وحافظ على هوية متميزة لأهل نجران، فإن التاريخ الحضاري لنجران تعكسه الكثير من المواقع الأثرية بالمنطقة، كالأخدود، وآبار حما، وغيرها من المواقع الهامة. كما تبرز النقوش والكتابات التي سبقت عصر الإسلام الأول، والتي كان لها مع غيرها من المؤثرات الحضارية حوافز معنوية غير مباشرة. ومع استمرار التعليم واستمرار الحضارة، تكونت عادات وتقاليد شعبية تشكل هوية ثقافية تجتمع فيها الكثير من الروايات والفنون. وقد اكتسب أهل نجران ثقة بأن أرضهم أرض استقرار وأرض حضارة متواصلة؛ وأن موروثهم الحميد قد شكل هوية ثقافية وذاكرة شعبية فكرية تتميز بها الشخصية النجرانية المتسامحة والمنفتحة على الآخر . كما أن الرواة والشعراء من أهل نجران، قد تركوا إرثًا ثقافيًا يعرض حالة نجران وهويتها الثقافية عبر القرون الماضية، ويؤكد قدرة المجتمع النجراني على التواصل مع المجتمعات المحيطة، وعلى استيعاب قيم الدين وتوجيهاته السامية نحو حياة أكثر عطاءً واستقرارًا وكرامة للإنسان، وهكذا، فإن الهوية الثقافية والفكرية النجرانية قد تشكلت عبر الزمن، وحققت تميزًا قويًا أسهم بحق في حماية نجران من المخاطر عبر ترابط مجتمعها الذي أشار إليه المؤرخون؛ رغم صعوبة الظروف الداخلية والخارجية قبل الحكم السعودي. ورغم الصعوبات, فقد كانت في نجران حالة تعليمية وفكرية, في مستوى الحاجة لمفهوم التعليم حينئذ, حفظت للسكان موروثا ثمينا اعتمد على التدوين والرصد, وأوجد علماء دين ومفكرين وفلاسفة. ولم تكن هنالك حاجة اجتماعية للتعليم بمفاهيمه الحديثة؛ فلم تكن وتيرة التغيرات الاجتماعية سريعة, بل كانت الحياة العامة رتيبة وشبه ثابتة عبر القرون. فقد كان احتياج المجتمع للمتعلمين محصوراً في المعاملات التجارية البسيطة وتحرير العهود والعقود والتحالفات التي تتم بين الناس.

وإذا كان الأولون لم تعجزهم عدم توفر وسائل الكتابة فابتكروا آلية النحت على الصخور، فإن المتأخرين من سكان هذه المنطقة أحسن حظًا ممن سبقوهم لتوفر إمكانات التسجيل والتدوين، ولذلك لم يفوتوا فرص تدوين ما يحكم علاقاتهم من ضوابط في مختلف المجالات، وخصوصاً ما يتعلق منها بالحقوق المشتركة بينهم، ويتضمن الكتاب عدد من الوثائق منها – على سبيل المثال – وثيقة مؤرخة في 1275 هـ تحمل عدة أسماء من (أهل باطن عمرو) في نجران، وهم: (هادي بن محمد بن سقلة) و(محمد بن شايع) و(صالح بن محمد آل سدران) و(محمد بن سداح) و(محمد بن حمد بن طوق) اجتمعوا عند وجهاء من (آل محمد) و(آل عبد الله) ليدوّنوا عقداً يتعلق بضبط الحقوق بينهم فيما يخص شئون أرضهم المشتركة بما في ذلك عائدات الجباية من (باطن عمرو)، وهو شريط ممتد بين الجبال الشمالية الغربية ووادي نجران ، في الجزء الواقع شمال (أبا السعود ) حالياً. وماذا عن علاقات نجران مع جوارها ؟: في هذا عدة مباحث تعرض للعلاقات مع المناطق والقبائل المجاورة لنجران وأهلها. كانت تحالفات النجرانيين تعتمد على تحقيق المصالح المتبادلة، ومن أهمها جعل نجران خارج مسرح الاقتتال قدر الإمكان ونقل الحروب والغزوات خارج نجران. وتكمن جل المصالح النجرانية في درء المخاطر عن نجران؛ فإذا انتفت المصلحة، انتهت تلك التحالفات وتحولت إلى جهات أخرى أكثر تحقيقاً للمصالح التي تفرضها الحاجة الحاكمة في ظل انعدام الحكومة ذلك الزمن الصعب. وكانت غاية التحالفات أن تدفع بالخطر والغزوات بعيداً عن أرض نجران، وذلك ما سوف يتضح مما يعرضه الكتاب من نماذج لتلك التحالفات ومن خلال طرحنا للعلاقات السياسية بين نجران وبعض القوى المحلية داخل شبه الجزيرة العربية.

نجران في العهد السعودي:إذا كان الفصل الأول قد أشتمل على سجلات نجران القديمة والفصل الثاني عن نجران ما قبل الحكم السعودي, فإن الفصل الثالث والأخير خصص للعهد السعودي. وفي الواقع أن هذا الفصل قد شكل أصعب مرحلة في البحث والتحرير نظرا لضعف المصادر وتعقيدها الأمر الذي جعلني أتوقف عند سنة 1934م. وقد خصص مبحثا في هذا الفصل للمرحلة الانتقالية التأسيسية, أي التي تبعت دخول نجران في الحكم السعودي في سنة 1934م مباشرة. وبين الكتاب في هذا الفصل عن العهد السعودي كيف كانت أحوال نجران بعد أن وضعت الحرب اليمنية – السعودية أوزارها، وتبدّل النزاع – الذي استمر إلى ما يقرب من عشر سنوات من 1924م إلى 1934م. ولذلك, كانت نجران (أرضًا وسكّانًا) تستنشق نسمات فجر جديد وصباح سعيد، تمحو شمسه بضوئها ودفئها كل خطوط الليل الكالح. فقبل ذلك التاريخ عاشت نجران وبلاد يام, دهورًا طويلة في عزلة سياسية، وانعدام لأي تنمية مدنية، شأنها في ذلك الواقع شأن أغلب مناطق جزيرة العرب وقبائلها قبل ظهور الملك المؤسس (عبد العزيز آل سعود) قائداً لمسيرة التوحيد، ومؤسساً لدولة ومنشأً لأمة، لها مكانها ومكانتها بين دول العالم المعاصر. وتضمن الكتاب مبحثا آخرا لمرحلة النهضة التنموية الشاملة في نجران: مجالاتها ومظاهرها. وتضمن هذا الفصل من الكتاب أحداث فارقة في مسيرة نجران التنموية من حيث تطور المؤسسات الحكومية وأثره على مسيرة التنمية في نجران. وكذلك تضمن الكتاب في هذا الفصل ما يخص الحرب اليمنية الأهلية 1962م وأثرها على مسيرة التنمية في نجران.

بناء الدوائر الحكومية؟:جاء في الكتاب, أنه ما أن دخلت نجران في الحكم السعودية إلا وتم تعيين مسئولين حكوميين لمتابعة الشؤون الإدارية والأمنية والقضائية للمنطقة, وتضمن الكتاب عرضا مفصلا استند على عدة مصادر تمكنت بموجبها من رسم صورة متكاملة أتمنى أن يأتي أحد بعدي ويكمل ما لم أتمكن من بحثه وتحريره, نظرا لندرة المصادر. ويبين الكتاب أنه تم في الأسبوع الأول من شهر ربيع الثاني لسنة 1353هـ صدور الأمر السامي الذي نص على “تعيين الشيخ (عساف بن حسين) أمير الرس السابق أميراً على نجران وسائر بلاد يام”؛ لإدارة شؤون المنطقة، ثم تبعه لتولي تلك المهمة مجموعة من الأمراء تضمن الكتاب أسمائهم. وقد زوّدت الحكومة الأمير (عساف) بمجاميع من رجال الشرطة التي انتشرت في مراكز عدة من قرى نجران الرئيسة، لإرساء قواعد الأمن، وبسط نفوذ الأنظمة الحكومة الجديدة وقوانينها. وكانت البرقيات اللاسلكية قد لعبت دوراً هاماً في إدارة النزاع حول نجران، ثم في حملة الحرب وما صاحبها من عمليات ميدانية. وكانت قوات ولي العهد الأمير(سعود) قائد حملة نجران توشك على إنهاء مهامها الحربية بعد دخول نجران في الحكم السعودي, واستتباب الأمن. وسوف تعود هذه القوات إلى الحجاز ونجد وعسير ومعها أجهزتها اللاسلكية. ولأهمية الاتصال اليومي والمستمر بين إمارة نجران ومركز الحكم في الرياض باعتباره شريان الإدارة، فقد صدر الأمر السامي بتأسيس مركز لاسلكي في بلدة “المخلاف” من قرى نجران. ونُشر خبر اعتماد مركز لاسلكي نجران في جريدة أم القرى الرسمية الأسبوعية, في عدد يوم الجمعة 24 ربيع الأول سنة 1353هـ, الموافق للسادس من يوليو 1934م؛ وجاء في الخبر بأن اللاسلكي سوف يركب في أقرب وقت ممكن. كما تم تعيين قاضٍ شرعي للفصل في النزاعات التي تقوم بين أهالي المنطقة, وتفعيل دور المحكمة تدريجيا؛ وخصوصًا ما يتعلق منها بشأن حدود المزارع وملكيتها، وغيرها من القضايا. كذلك قامت الدولة بتعيين بعض الموظفين المسئولين عن الشؤون المالية في المنطقة. والذين كانوا يتولون استلام المقرر من محصول التمور الذي تنتجه المزارع الأهلية؛ حيث كان التمر هو “مصدر الدخل الرئيس لخزينة الحكومة في نجران”. وقد صدر الأمر السامي بتأسيس مستوصف في نجران؛ حيث نشر خبر اعتماد المستوصف في جريدة أم القرى الرسمية الأسبوعية بعددها الصادر في يوم الجمعة 22 محرم 1354هـ . وجاء في الخبر أن مصلحة الصحة العامة قد أخذت في إجراء التدابير اللازمة لتأسيس المستوصف، وأن الطبيب الذي سيُعين سوف يسافر لهذا العمل قريبا. وفي الأسبوع الأخير من شهر جمادى الثانية من عام 1354هـ صدر الأمر السامي بتعيين (إبراهيم النمشي) أميراً على نجران, ونشر الخبر في جريدة أم القرى الرسمية الأسبوعية متضمناً انه سافر إلى نجران لاستلام مهام وظيفته. ويتضح من هذا الخبر أن (عساف بن حسين)، الذي عين كأول أمير لنجران لم تتجاوز مدة بقائه في نجران أكثر من 15 عشر شهراً تقريبا.

المرحلة التي تلت دخول نجران في الحكم السعودي وما فيها من تحولات إدارية:جاء في الكتاب عرض شامل لهذه المرحلة بما يبين استجابة الأهالي للتعامل مع مؤسسات الدولة واعتمادهم عليها في تلبية متطلباتهم القضائية والأمنية، وتنفيذ ما يصدر عنها من أحكام وتوجيهات وتعليمات واستدعاء للشهادة ومشاركة في حل المشاكل.. وغير ذلك من الأمور. وقد أسهم الأعيان وشيوخ القبائل. وهم من كانوا يقومون بهذا الدور الأمني والقضائي قبل الحكم السعودي ـ في هذا الشأن، حيث إنهم قد قصدوا الجهات الأمنية والقضائية لحلِّ ما يواجههم من مشاكل وخلافات، فكانوا قدوة للأهالي في ذلك. وقد عمدت الدوائر الحكومية مثل الأمارة والمحكمة والشرطة إلى الاستفادة من الأعراف والتقاليد المرعية قبل الحكم في حل الخلافات وبنت عليها بما لا يخالف أنظمة الحكومة وتوجيهاتها. وعن هذه المرحلة الانتقالية فقد تضمن الكتاب عدد من الوثائق المهمة. وتشير أحدها, وهي تعود إلى 19 /3 / 1359هـ، ومصادق عليها من كل من أمير نجران وقاضي نجران. إلى أن كل من: (سلطان بن منيف) و(جابر بن حسين أبو ساق) ـ وهما من شيوخ قبائل يام ـ قد ارتضيا أمر جلالة الملك باختيار هيئة مؤلفة من أربعة أشخاص، لحل النزاع الطويل بين كل منهما، بشأن الأسبال التي تتخلل بلاد كل منهما، فاختار(ابن منيف) اثنين من خواص جماعته هما: (حسن بن محمد بن قريشة) و(حسين بن حمد بن مسلم)، واختار (أبو ساق) كلاً من: (سعيد بن حسين بن سرار) و(حمد بن عتيجان). وتشير الوثيقة إلى أن اللجنة المختارة قد توجهت إلى محل الخلاف ـ يرافقها أمير نجران وقاضيها, للنظر في موضوع النزاع وحسمه، وحددت بدقة تامة الحدود المتنازع عليها، وأقرت لكل طرف منهما ما يخصه، ووافق الطرفان على ما قررته اللجنة، وانتهى الإشكال، ولم يعد هنالك خلاف.

رابط مختصر
2017-11-09
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة صوت الأخدود الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

صوت الأخدود