حكم قضائي يتناقض مع الدولة... ومع الشريعة!
د. خالد الدخيل * - « صحيفة الاتحاد الاماراتية » - 14 / 9 / 2006 م - 6:29 ص

خرجت من إحدى المحاكم في السعودية قضية ليست شاذة تماما، لكنها بكل المعايير قضية غريبة. حيث أصدر أحد قضاة هذه المحكمة حكما قضائيا يفسخ (هكذا) بموجبه عقد زواج لمجرد أن الزوج غير مكافئ في النسب، كما يقول صك الحكم، لزوجته. حكم القاضي هذا ينضح بالغرابة، بل ويبعث على الاشمئزاز لأسباب عدة، من أهمها أنه يتناقض بشكل حاد ومباشر، كما سيأتي لاحقا، مع مبادئ وقواعد إسلامية راسخة. ووجه الغرابة من هذه الناحية أن الحكم يفترض فيه أنه صدر باسم الشريعة الإسلامية، لكنه يتصادم مباشرة مع أهم مبادئ الإسلام في المساواة بين المسلمين، وهي مبادئ أكد عليها القرآن، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. والقاضي يعرف هذه المبادئ، إلا أنه، كما يبدو، تعامل معها وفق رؤية تقيدها بتقاليد وأعراف قديمة. حكم القاضي من هذه الزاوية يكشف بشكل جلي الفرق بين الدين والفكر الديني، وأن أحدهما لا يعكس دائما الآخر تماما. وإلا كيف يمكن التوفيق بين هذا الحكم وبين قاعدة "لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى"؟ هذه قاعدة إنسانية مطلقة، لا يقيدها إلا معيار التقوى، وليس النسب أو اللغة أو اللون... إلخ. وماذا نفعل، حسب هذا الحكم بحديث "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه"؟ ثم هناك سوابق من العصر النبوي، وعصر الصحابة تجاوزها الحكم. من هذه السوابق مثلا زواج زينب بنت جحش من زيد بن حارثة، مولى النبي. وزواج هند بنت الوليد بن عتبة (قرشية) من مولى عمها، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس أن تتزوج أسامة بن زيد، وغير ذلك كثير.

والحكم غريب أيضاً لأنه جاء رغما عن الزوجين: رغما عن قناعة كل منهما بالآخر وإصرارهما على التمسك باستمرارهما كزوجين. جاء الحكم رغما عن رفضهما القاطع له، ولما استند إليه من حيثيات. الحكم هنا يلغي أهم حقوق الإنسان في اختيار من يرتبط به كزوج. ولو قيل إن حق الاختيار هذا مقيد بضوابط القانون، وهو صحيح، فإن النسب ليس من بين هذه الضوابط، وخاصة في الشريعة الإسلامية. بل إن الزوجة، وبعد صدور الحكم رفضت أن تسكن إلا مع زوجها، مما انتهى بها إلى أن تسكن في إحدى الإصلاحيات. وليس هناك أقوى وأوضح رفضاً من هذا الموقف. من الواضح أن هذه الزوجة قدمت قمة التضحية ليس فقط لتعبر عن تمسكها بزوجها وعائلتها، وهذا موقف واضح ونبيل، بل لتخوض مغامرة رفض حكم القضاء بكل ما أوتيت من قوة بأمل إسقاط سابقة خطيرة، ولتكشف ما يمثله الحكم من جور وتعد على حقها وحق عائلتها، وبالتالي لتأكيد عدم مشروعية هذا الحكم. تجاهل الحكم تماماً رأي الزوجين، ورغبتهما وقناعتهما، ولم يعط لذلك أي اعتبار أو وزن. ماهو مبرر ذلك؟ بل تجاهل بشكل كامل أن للزوجين طفلتين، مما يعني أن الحكم عملياً دمر أسرة بكاملها. ما هي المصلحة في ذلك؟ وماذا سيكون موقف الطفلتين عندما تكبران، وتكتشفان أن القضاء يعتبر أباهما غير مكافئ في نسبه لوالدتهما؟ كيف سيكون إدراكهما لذلك؟ وماذا سيكون أثر ذلك على وعيهما الاجتماعي؟

والأغرب من كل ذلك أن الحكم يتأسس على مبدأ عنصري بغيض يقسم أبناء المجتمع الواحد، والدولة الواحدة، والدين الواحد على أساس النسب والعرق، وليس على أساس الإنسانية والمواطنة، وأخوة الإسلام. الفرد، حسب هذا الحكم، ليس إنسانا ومواطنا ومسلما يتساوى مع الآخرين في إنسانيته، وفي حقوقه وانتمائه. بل هو فرد تتحدد مكانته، وتتحدد حقوقه، وتتحدد إنسانيته وما يستحقه من حرية حسب درجة ونوع النسب الذي ينتمي إليه. إن النسب كان في الماضي عرفا اجتماعياً يتحدد على أساسه شكل التراتبية الاجتماعية في المجتمع، وهو أمر طبيعي. لكن أن يتحول هذا إلى قاعدة شرعية أو قانونية يُحتَكَم إليها في موضوع الحقوق الشخصية، فهو أمر آخر مختلف وخطير.

وواقع الحال أن المجتمع الذي تبلور في داخله ذلك العرف قد تغير بشكل كبير جداً: تغيرت تركيبته، وأولوياته، وطبيعته، وثقافته. ظهرت معايير أخرى للتراتبية أو الطبقية في هذا المجتمع الجديد، مثل المهنة، والتعليم، ونوع التعليم ودرجته، والدخل. ومن أهم التغيرات التي حدثت لهذا المجتمع القديم هو نشوء الدولة المركزية، وأن أيديولوجية هذه الدولة تتمحور حول مفهوم "التوحيد". المعنى المتعارف عليه لهذا المفهوم هو المعنى الديني، وهو يتمحور حول توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. لكن ما يجب ملاحظته أن هذا التوحيد، وعلى هذا المستوى لا يمكن تحقيقه وتجسيده إلا في إطار سلطة مركزية موحدة. بعبارة أخرى هناك معنى سياسي للتوحيد، أو الوحدة، وبالتالي ارتباط التوحيد الديني بالتوحيد الاجتماعي والسياسي. التفريق بين أفراد المجتمع، أو مواطني الدولة على أسس تهدد الوحدة الاجتماعية أو الوطنية، كالنسب أو المذهب، يتناقض مع مفهوم التوحيد الذي ترتكز عليه الدولة. ومن هنا يتناقض حكم القاضي مع الدولة التي ظن أنه ينفذ أحد قوانينها، في حين أنه في الواقع يتناقض مع مبادئها القانونية، ويهدد أحد أهم مرتكزاتها الاجتماعية والسياسية.

معنى "غير مكافئ في النسب"، كما جاء في الحكم، أن الزوج لا ينتمي إلى قبيلة معينة كما هو حال الزوجة. وهنا تكمن إشكالية الحكم في أنه تبنى موقفاً قديماً للمجتمع ومنحه شرعية دينية، ليس على أساس من مبادئ الدين، وإنما على أساس من أعراف تتناقض مع نصوص صريحة. وحتى مع التسليم بالمنطق القبلي الذي اعتمد عليه الحكم، ينبغي الانتباه إلى أن الموضوع شائك، وقديم ومتداخل، نظراً لقدم المجتمع، وبالتالي تتداخل فيه الحقائق مع الأساطير، إلى درجة أن بن خلدون قال عن النسب إنه لا يعدو أن يكون وهماً. ماذا يعني هذا في الأخير؟ يعني أن النسب في القديم كان عنصراً أساسياً في تعريف الإنسان. وهذا أمر اتضح الآن أنه ينتمي إلى الماضي الغابر للمجتمعات، ويتناقض بشكل صارخ مع الطبيعة الإنسانية للإنسان. بل إن الإسلام نفسه لم يتبن هذه النظرة، حتى قبل العصور الحديثة. كما يعني أن موضوع النسب في مجتمعات الجزيرة العربية القديمة هو في الأصل موضوع أيديولوجي، لأنه لا يتأسس على معلومات وحقائق موثقة، ومن ثم يمكن التواضع حولها على أنها كذلك. على العكس كان يتأسس على معتقدات وأعراف اجتماعية تمت على أساسها صياغة رؤية المجتمع للإنسان وطبيعته، وللمكانة وللحقوق التي يستحقها وبالتالي فإن ما حصل في الماضي من تواضع حول هذا الموضوع حصل على أساس من هذه المعتقدات والأعراف، وعلى أساس من الرؤية التي شكلتها. وهذا أمر طبيعي في المجتمعات القديمة نظراً لبساطتها، وللدرجة المتدنية لتطورها. ونظراً لأن التراتبية الاجتماعية ترتكز إلى مبررات أيديولوجية، لعب النسب في هذه الحالة، وكما أشرنا سابقا، دور أحد أهم آليات التراتبية الاجتماعية في مجتمعات الجزيرة العربية. لكنها في هذه الحالة آلية عنصرية لأنها آلية أيديولوجية بسبب أنها تجعل من طبقات هذه التراتبية طبقات مغلقة، لا يمكن الحراك فيما بينها. الانتماء للقبيلة لا يتم إلا على أساس من الدم والنسب. وكانت القبيلة في القديم هي ملاذ الفرد لتحقيق حاجته إلى الانتماء، وللحصول على الهوية، وعلى الحماية والأمن. لكننا الآن في عصر الدولة التي حلت محل القبيلة لتحقيق كل تلك الاحتياجات. والانتماء للدولة لا علاقة له بالنسب، لأنه انتماء سياسي وقانوني ووطني أولاً وأخيراً. والدولة بهذا المعنى هي نقيض للقبيلة، ونفي لها. ولذلك فمع التطور التاريخي للدولة انتهى بها الأمر في كثير من بلدان العالم إلى أن أفرزت نظاماً طبقياً، وتراتبية اجتماعية ليست مغلقة. وقبل ذلك وبعده، فالانتماء للإسلام لا علاقة له أيضاً بالنسب، بل ولا حتى باللغة. كيف يمكن في هذه الحالة العودة إلى معايير طبقية عنصرية سابقة على الإسلام، وعلى الدولة؟

بقيت ملاحظة أخيرة. أشار القاضي في نهاية الصك بأن حكمه بفسخ نكاح الزوجين ليس إثباتاً لنسب أحد طرفي القضية. وهذه إشارة تدل على الأمانة، لكنها تعني أيضاً أن القاضي ليس متأكداً من صحة أو ثبوت نسب المترافعين أمامه. وإذا كان الأمر كذلك، وحتى مع التسليم بالمنطق الذي بنى عليه القاضي حكمه، فكيف يمكن أن يكون الشيء ليس ثابتاً، وفي الوقت نفسه يصلح أن يكون أساساً لحكم بخطورة تهديم عائلة بكاملها؟

اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «1»
مفتي حبونه
[1]
[ hafof - حرام على فتياتكم.....حلال عليكم ]: 15 / 9 / 2006 م - 2:53 م
كل مافي الامر ان القاضي طبق فتوى لملالي ظلمائكم
وحرم زواج السنيه على الشيعي حسب فتواكم
يقول علمائكم ايها الشيعه . بالنسبه الى الفتاة الشيعيه . يحرم عليك الزواج من رجل سني ناصبي لانه يجعلك سنيه تابعه لعمر وابي بكر وملتزمه باحكام اهل السنه في هذه الحاله يحرم عليك الزواج منه
كاتب واكاديمي سعودي
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3335199