تقنين الشريعة بوابة إصلاح القضاء
خالد الغنامي * - « صحيفة الوطن السعودية » - 4 / 9 / 2006 م - 6:54 ص
تابعت بحماس شديد تلك الحلقة المثيرة التي بثتها قناة عين من برنامج (حوار من الداخل) بتاريخ 2 سبتمبر 2006 التي قدمها الأستاذ كمال عبدالقادر والتي كان ضيفها الأستاذ عبدالرحمن اللاحم المحامي حول (تقنين الشريعة) تلك القضية المهمة جداً لحياة الناس في هذا المجتمع ، وقد قمت بمداخلة قصيرة أردت أن أذكر فيها بعض النقاط المهمة حول هذه القضية الشائكة ولكن وقت البرنامج لم يسمح بسرد هذه النقاط لذا رأيت أن أنقلها هنا في هذه المقالة.
1- القضاء السعودي بحاجة إلى إصلاح لا شك في ذلك والأدلة الملموسة على ذلك عديدة. منها الصك الذي تطرقت له في مقالة الأسبوع الماضي والذي نص على أن رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحاسبون وإن أخطؤوا في حق المواطنين. ومنها: قضية التفريق بين زوجين بسبب عدم الكفاءة في النسب برغم أن ذلك الزواج تم بموافقة والد المرأة ونتج عنه طفلان في عمر الزهور. ومنها: قضايا الدكتور حمزة المزيني ومحمد الحربي ومحمد السحيمي والتي لولا تدخل الملك عبدالله بن عبدالعزيز وإحقاقه للحق لحدث ما لا يرضي من سجن وجلد لأبرياء وسحق للكرامة الإنسانية بغير وجه حق.
2- الخطوة الأولى لإصلاح القضاء تبدأ من تقنين الشريعة ووضع الأحكام في مواد قانونية تؤطر وتحكم أحكام القاضي ولا تتركه لأهوائه الشخصية ولا لضعفه البشري.
3- الخطوة الثانية هي إعادة تأهيل القضاة بحيث يكسر حاجز البيئة التقليدية للمحكمة للتعرف على روح القانون وفلسفته ودراسة نظام المرافعات والاستفادة من تجارب العالم من حولنا في هذا المضمار.
4- يشعر القضاة براحة واطمئنان ضمير حيال ما يمكن أن يقع منهم من أخطاء استناداً لحديث عمرو بن العاص وهو في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد. والقضية حقيقة ليست قضية تأثيم ولا تجريم بقدر ما هي رغبة في تقليل حجم الأخطاء التي تحدث يومياً بسبب ترك أموال ورقاب الناس في يد إنسان يعتريه ما يعتري البشر من غضب وقلق وخصومات شخصية. والتقنين يكفل تحقيق العدالة إلى حد كبير وهو على أقل الأحوال سيكفل للناس ألا يحكم القاضي بحكم ويرى الناس أن قاضياً آخر حكم في قضية مماثلة لها تماماً بحكم مختلف فيشعروا بالظلم.
5- كانت الحجة دائماً منذ أن برزت قضية تقنين الشريعة أن تقنين الشريعة وإلزام الناس بها وقد أخذت هيئة القانون قد يؤدي أن يكون هذا حكماً بغير ما أنزل الله وتحكيماً للطاغوت بناء على نظرية (الحاكمية). والجواب عن هذا أن نظرية الحاكمية نظرية غريبة تماماً عن التراث السلفي ولم يعرفها قط. وإنما جاءت كركن ركين في أدبيات الإخوان المسلمين. ومن ابتدعوها -حقيقة- ليسوا بفقهاء أكثر من كونهم سياسيين وأدباء. وإلزام الحاكم الناس بقانون لا يعتبر كفراً فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمير المؤمنين يلزم الناس بأن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً فإنها تطلق وتحرم عليه حتى تتزوج من رجل غيره برغم أن الطلاق في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان الثلاث واحدة ولا تقع عليها الطلقة الثانية أصلا حتى تعتد ويتراضيا قبل انتهاء العدة ثم يطلقها بعد ذلك فتصبح هذه هي الطلقة الثانية. إن حق التساؤل فلنا أن نقول:هذا الذي فعله الفاروق ما هو ؟ أليس تشريعاً وتقنيناً ؟ هو (تقنين وزيادة). تقنين من جهة أنه ألزم الناس به والزيادة هي في كونه مخالفاً للنص المعمول به في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام وزمن أبي بكر الصديق وسنتين من خلافة عمر. ولو كانت الحاكمية، حقاً للزم منها أن يقع تكفير التكفيريين على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل غيره من الحكام. وهذه الحادثة عن عمر والتي رواها الإمام مسلم في صحيحه تدل دلالة قطعية لا شك فيها على بطلان نظرية الحاكمية جملة وتفصيلاً.
6- لا ينبغي لنا ونحن في هذا العصر أن نكتفي بمجرد (التقنين) فتحويل أي كتاب من كتب الفقه إلى مواد يعتبر تقنيناً. لكن حبذا لو يكون التقنين مستمداً من الفقه المقارن بحيث يبحث فقهاء القانون في كل المذاهب المعتبرة عما يتناسب مع طبيعة المعاملات القائمة اليوم وحياة الناس المعاصرة.
هناك أمل كبير في ظل حكم الملك الإنسان عبدالله بن عبدالعزيز أن تتحول هذه الأماني إلى حقائق معاشة لما فيها من مصلحة عامة طالما انتظرها الناس.
اضف هذا الموضوع الى:
كاتب سعودي
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3327712