دعاة «الموت» ودعاة «الحياة»: تجربة أوروبا لإخراجنا من «النفق»
قينان الغامدي - 17 / 8 / 2006 م - 4:23 ص

دعاة "الحياة" في الوطن العربي، أكثر - حتماً - من دعاة "الموت"، لكن دعاة "الموت" أعلى صوتاً، وأكبر تأثيراً في عواطف الناس، فهؤلاء يعزفون على وترين عاطفيين حساسين لهما أبعادهما العميقة في وجدان الإنسان العربي هما "الدين، والعروبة"، والعازفون على هذين الوترين في الشارع العربي يختلفون في المنطلقات، وحتى في الأهداف، لكنهم يتفقون في الآلية "آلية التهييج" واستغلال المشاعر والعواطف لتأييد المشروع الذي ينادي به كل فريق.
الفريقان فشلا فشلاً ذريعاً في تحقيق أي تقدم أو نهضة أو نصر للأمة العربية، فمنذ بطولات "أحمد سعيد" الإذاعية في "صوت العرب"، إلى الانتصارات التاريخية والاستراتيجية في "خطاب" بشار الأسد أول من أمس، والأمة العربية من هزيمة إلى أخرى، ومن تخلف تنموي إلى تخلف أشنع.
ومنذ نشوء حركات الإسلام السياسي في العصر الحديث، ابتداءً بالإخوان المسلمين ومروراً بما تفرع عنها وتلاقح معها من جهاد إسلامي وصحويين، وما تفرع عن هذه الحركات من حركات أصغر وأكبر، وحتى وصلنا إلى تنظيم القاعدة وجهادييه، وحزب الله ومقاتليه، وحماس وديموقراطيتها، والأمة العربية من نفق مظلم إلى نفق أشد ظلاماً، إذ أصبح "العربي" والمسلم على وجه الخصوص رمزاً للإرهاب في العالم.
الآن ما هو المستقبل؟ الفريقان العازفان على وتري "الدين، والعروبة" متفقان تقريباً على انتصار نصر الله وحزب الله وبشار وسوريا ونجاد وإيران ومحمد بن جبر وقناة الجزيرة وأنيس النقاش و... إلخ.
حسناً تحقق النصر، وانتهت الحرب العسكرية، فماذا نفعل؟ هل نصيخ السمع جيداً، ونعطي لدعوة "الحياة" حقها في التمدد والانتشار؟ هل نقتنع فعلاً أن ضعفنا كامن داخلنا، في تخلفنا التنموي الشامل، في غياب الحريات المسؤولة في تفشي الطائفية والعصبية، في تغلغل الإرهاب، في تسلط الجهل والشعارات الجوفاء، في الكذب العلني باسم الشعوب وباسم الجماهير التي لا حول لها ولا قوة؟ هل نستطيع في الوطن العربي كله أن نواجه أنفسنا بهذه الحقائق المريرة ونعمل على معالجتها من الجذور، أم سنظل نعلق شماعات فشلنا المتتابع الواضح على إسرائيل وأمريكا اللتين نعرف أنهما سعيدتان بالنفق المظلم الذي نسير فيه، ولا نخرج منه إلا لندعي انتصارات لم تحدث، أو نكذب على شعوب أصبحت تعرف أننا نكذب عليها ونكذب على أنفسنا، كما فعل حسن وبشار ومن تبعهما من محللي ومبرري الدمار والخراب؟
الواضح أننا نستعذب الحياة داخل النفق المظلم، والواضح أن دعاة "الموت" مستمرون ومصرون ومؤثرون وفاعلون. ولأننا أمة لا تستفيد من تجاربها، ولا من تجارب الآخرين، فإنني أعتقد - وأرجو أن أكون مخطئاً - أنّ تجربة أوروبا التي أخرجتها من ظلام الجهل والقهر والتسلط في القرون الوسطى إلى عصر الأنوار والتنمية والحضارة الحديثة هي التجربة المرشحة للتكرار من أجل إخراج أمتنا من "النفق المظلم". ولله في خلقه شؤون.

اضف هذا الموضوع الى:
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3335200