بيادق
مانع دواس * - « صوت الأخدود » - 15 / 2 / 2011 م - 11:50 م

حتى يتسنى لهما رؤية بعضهما كان لزاما عليهما أن يضعا في الحسبان اعتبارات أخرى، أبعد من مكان وزمان اللقاء، اعتبارات أقرب إلى المخاوف منها إلى الاستعدادات الطبيعية، يرون أنها شيء طارئ، بيد أنها طارئٍ مستديم، تحلّق فوق حمى فكرة اللقاء كثيرا فتكاد تبطل حتى مجرد حضور الفكرة لا تنفيذها فقط، قبل نهار لقائهما بدء العام الميلادي الجديد ورائحة المطر واطلالة الشتاء وبرده تحضران كخلفية حميمية تزيد اللقاء دفئا؛ أخبرته أنها لاتزال تحتفظ بسلالة زهرة اللافندر التي أهداها لها أول لقاء قبل عامين، وفي كل لقاء عقِب ذلك الأول حرصت على إحضارها أو من ينوب عنها إما من سلالتها كما تقول أو من بنات جنسها كما يعلّق عليها ويقول من أي مكانٍ ابتعتها هذه المرّة.

هو بدوره يحرص على جلب صندوق لعبة الشطرنج الذي اهدته له أول لقاء أيضاً، (أنت شخص تسيطر عليك العقلية العسكرية، وأظنها تناسبك) قالت حين سلمته الصندوق ملفوفا بأوراق ملونة. حينها كان يكرر:(بأني لم أجد شبيها لك سوى هذه اللافندره، ولاغرو فهي تعكس إحساسي المرهف جدا) بشكل ساخر عقّب عليها.

بِدء العام كانا قد رتّبا لقاءً في مقهىً هاديء بفندقٍ فخمٍ يطل على لسان بحري جميل في المدينة الساحلية ولكي يبدءان اللقاء كان لابد من طقوس معيّنة يحبانها، بحيث يتفق أن يتقابلا هكذا بشكل أشبه للصدفة منه للتقصد، أمام طاولة اختيرت سلفا أو حدد مكانها شفهيا، يضع صندوق الشطرنج على طرف الطاولة ويزيح لها كرسيا لتقتعده، ومن ثم يخلع جاكيته الشتوي ويضعه بشكل معكوس على مسند كرسيّه الذي اختار الجلوس عليه، بعد أن يضع صندوق الشطرنج على طرف الطاولة. وهي بدورها كانت قد حررت فازة اللافندر من يدها بوضعها على الطاولة، ورمت بعباءتها جانبا منها على الكرسي المجاور. يتبادلان همساتٍ خافتة وحميمية كان لا بد منها حيث تفرضها اللحظة وتلح عليها أشواق ألّفت قلبيهما، قبل أن يهم بفتح صندوق اللعبة وهي تسلم ليدها اليمنى بيسراها فازة اللافندر لتضعها في مكان أكثر هدوءا على طرف الطاولة، لتطل برأسها من خلال النافذة على أمواج تحبو بهدوءٍ حتى تصل اليابسة لتؤوب مجددا لحضن البحر.

كانت ترتدي قميصا بلون أصفر بكمين قصيرين وفتحة صدر واسعة، أتاح لمساحة غير صغيرة من نحرها أن تكون مرآة تنعكس فيها عينيه المتجولتين بلهفة بين بريق نحرها ومساحة لذة التخيّل التي تبدأ من أول خيط أصفر تدفن تحته نهديها الثائرين المتربعي التفافة خصر وحشي تختبئ نقطة تماهيه خلف طرف الطاولة فلا تُرى.

يخطفها لون أشبه بنتف الثلج لوّح شعر رأسِه والتماعة عينيه ببريق بريء وابتسامته الهادئة وصوته القادم من عمق الصحراء، ويبدآن اللعب.. وهي تردد: (دعني أخمّن )..
قاطعها: (كان آخر فوز لي)..
ضحكت: (لا أقصد أن عمر ذقنك أربعة أيام)
رد ضاحكا: دعيني أخمّن (لم تزوري طبيب الأسنان منذ شهر ) (ها ها ها لا لا أنت تعرفني، أحب القهوة والشاي كثيرا)
قالت وهي تسقط جنديّه الأول بحصانها: (ما هذا الأستعجال ) متفاجئا قال .!
(تعلمّت منك حكمة أيها البدوي الأخير ، ألست من يردد دائما: قد فاز باللذات كل مغامر .! )

(ولكن أين اللذة في الإطاحة بجندي بواسطة حصان ) رد وهو يصغي لحديث المدينة في اللذة المتعلقة شفتيها ويراقب كيف شكّلت سماء رطبة نشأت في ظلها ارتخاءة جفنيها على عينين سوداوين بشكل لافت وفاتن جدا.

تابعت انعكاسة حركات كفه اليسرى على سطح الطاولة اللامع مترجمة انفعالاته الكلامية، وقالت بتصنّع من فكّر كثيرا بما قال ( النار من مستصغر الشرر) واتبعتها بضحكة هازئة صغيرة، كثيرا ما تثير حنقه.

يستمران في اللعب ولن تنتهي اللعبة بلا شجار كلامي وتبادل اتهامات بالغش، ورِضاً نفسي بأنه ليس متاحا إلاّ افتعال شيءٍ يحيي اللقاء غير الحديث في هموم الشارع والمشرّع وضجيج الصحافة و رؤى النقد والأدب ولا البقاء سجيني المخاوف والتردد والتفكير الكلاسيكي البائت، يرومان صنع لحظةٍ هي ملكهما رغم استراق العيون التي تأتي من خلف البارتشن والآذان التي تملأ الطاولة وتزاحم الجند والخيول، وتحول بين اشتباك اصابعهما ببعضها بكل طمأنينة، وتقلق توق شفتين للقاء حميمي تغض عنه زهرة اللافندر النظر وتغني للبحر الذي تقبل تموجاته اليابسة تحت قدميها.

تابع رص جنوده بتقنية المحترف على الخطوط الأمامية وهي تطوّح بحصانها اثنين فثلاثة منها وتكرر له بأن اللذة تكمن في المبادرة، تقولها وتبلل بطرف لسانها شفتها السفلى قبل أن تسحبها برفق تحت ثنيّة بيضاء وتطلقها لتموج بتدفقٍ أحمر يكاد ينطلق، ولا ينطلق.

(أتعلمين، إنه لشعور جميل وحر حين ننظر أن هذا اللقاء كخيار، خيار خاص بنا، هو الشيء الذي يفرقنا عن هذه البيادق التي تسير بأهواء غيرها لاخيارها هي) قال، وهي تدير ابهامها وسبابتها على معصمه بحنان ودفء غير مبالية بثغرةٍ تبدّى لها من خلالها أن حصانها الذي أطاح ببعض جنده سيترنح في خطوة قادمة تحت أقدام فيلٍ قادم من زاوية قصيّة.

اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «3»
إيمان هادي
[1]
16 / 2 / 2011 م - 6:44 م
كانت اللافندرة برقتها , وكان الشطرنج بخطواته العسكرية المحسوبة , وكانت مبادراتها تفشل خططه وتسقط جنوده , أعتقد أن التماهي مابين هداياهما لبعضيهما وطبيعة شخصياتهما قد رسم بدقة في النص , إلا إن ما أدهشني هو تبادل الأدوار في النهاية وكيف قيّض كل مبادراتها لصالحه لتنجح خطته العسكرية أخيرا ....!!

مقل جدا يامانع إلا أن حضورك هذا يأتي بما يشفع غياب قلمك . بنص كان أشبه باللافندر في عذوبته
والشطرنج في خطته المحبوكة .

أمنياتي لك .
أبو غالب
[2]
[ أم بي سي دراما - حارة أبو النار ]: 19 / 2 / 2011 م - 12:49 ص
في الحقيقة هذا النص جثة هامدة!
النص ليس له أي معنى, وليس له فكرة يستطيع أن يقول القارئ في نهاية القراءة : المغزى من القصة القصيرة كذا وكذا.
حتى في محاولة تجريد النص, بهتت كل الاضاءات لإيجاد قالب خفي لهذا النص رغم أن شخوص النص والبيادق كان من الممكن والسهل أن تدفع بها تجاه فكرة خلاقه وتركيب عالي, من مبدأ أننا جميعاً في لعبة مماثلة .

على العموم يجب أن ينجرف الجميع تجاه النقد لشبابنا الذين يحاولون كتابة الأدب الرائع, شبابنا الذين نبت لهم الريش فوق رؤوسهم ولم ينبت في اجنحتهم.


اتمنى لك التوفيق يا مانع بعيداً عن الأوهام أنت والبقية.
Laz
[3]
[ نجران ]: 19 / 2 / 2011 م - 6:33 ص
مرحبا انت هنا سهل ممتنع .والنص قام على الوصف المتمكن أولا
اللغة غاية في الرقة والهدوء ووصول الافكار أتى بشكل تسلسلي وجميل لكنك كالعادة تأتي لتضعنا في حيرة مما تريد وتترك الخيارات امامنا مفتوحة او نهايات معلقه
شكرا لهذا الجمال ولا تتأخر علينا مرة اخرى
كاتب سعودي
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3328310