بانتظار قرار
محمد عزوز * - « صوت الأخدود » - 24 / 6 / 2010 م - 4:30 ص

انتظار» 1

نهضت من فراشها كالملسوعة، تأرجحت، استندت إلى الجدار المقابل، لم تفتح عينيها بما يكفي لتلمس طريقها إلى المغسلة القريبة، تفادت السقوط أكثر من مرة.. هي لم تعتد الإستيقاظ المبكر، لذلك ظننت أن الأمر لايتعدى قضاء حاجة ما، إلا أن دوي محاولات الإقياء، نبهني إلى أن الأمر غير عادي البتة، فتركت مابيدي وهرعت إليها أستطلع الوضع.. لم تجبني، بل استمرت تحاول أن تطرد أشياء تزاحمت في بوابة معدتها. كان علي أن أفعل شيئاً ما، وإلا اتهمتني بالتقصير، وبأنني لاأظهر حناناً كافياً لها عندما تتوعك، بالمقارنة بما تفعله هي في حالات مماثلة، أكون أنا المتوعك فيها.. لكنها أصرت أن الأمر طبيعي، وأن علي أن أجهز لها ماء ساخناً كي تدفئ قدميها فقط.. لم أتأخر، لكن أنينها وأصوات استغاثتها وطلب النجدة من الله تارة ومن أمها تارة أخرى، آلمني ودفعني للإقتراب أكثر منها والإلحاح بفعل أي شيء قد يريحها. أصرت أن أدعها، وأن لاأهتم للأمر كثيراً.. وبعد أقل من ربع ساعة هدأت معدتها، وطلبت أن أساعدها في العودة إلى فراشها، ففعلت.. وقبل أن أغادر إلى عملي، ترددت في أن أتأكد من تحسن حالها، ثم حزمت أمري في أن أتركها لنومها ودفئها، فغادرت دون أن أفعل شيئاً. وقبل أن أكمل فنجان قهوتي في مكتب العمل، رن جرس الهاتف:            

ــ عليك أن تأتي إلى البيت بسرعة..

ــ ماذا هناك..؟ هل حدث مكروه لفاطمة..؟

ــ هي في العناية المشددة..

ــ عناية مشددة..!! ولم أنتظر سماع أشياء أخرى.. لم أعد أذكر أي تفاصيل رافقتني من العمل إلى المشفى، رغم طول المسافة. فقد كان ذهني منشغلاً بهاجس الخوف من خطورة ما تنتظر فاطمة.. ولذلك لم أر الكثيرين ممن حاولوا أن يستوقفوني في الطريق أو في مدخل وأروقة المشفى.. في العناية المشددة استغرب المعنيون سؤالي، ولم يستغربوا لهفتي، كما لم يتجرأ أي منهم  على إجابتي ، بل رافقني أحدهم إلى مكان آخر، لم أكن أعرف ترتيبه أو توضعه، وهناك رأيت جمهرة من أناس أعرفهم تماماً، أو لعلهم قريبون مني.. تركني مرافقي وأمسكني آخرون.. وكانت الوجوه المصفرة الكئيبة تنبئ بما حدث...

» 2

كانت تصلني همسات من هنا وهناك، وأنا لا أزال أستقبل جمهور المعزين من رجال ونساء:

ــ يا أخي الجلطة مابتخبي حالها.. كيف تركها وهي على هالحال..

ــ قال جاب لها ميه سخنة.. وبعدين غطاها وتركها..

ــ والله لو أسعفها من وقتها كان الله نجاها..

ــ أي بيكون حاطط عينو على شي وحدي تانية.. الدائرة عنده مليانة صبايا.. كل وحدة أجمل من التانية.. يزداد ألمي وأنا أسمع مثل هذه التعليقات، ولكنني فضلت ألا أرد.. كل ما في الأمر أنني وضحت لبعض المقربين ماجرى، وأن الأمر لم يكن يتجاوز التفكير ببعض البرد الذي تسبب بحالة الإقياء وكنت أخمن أنه سيزول تدريجياً، بعد أن تتدثر جيداً.. وحمدت الله وشكرته على أنهم لم يستجيبوا لما يقال، وإلا كنت في موضع اتهام بالتقصير أوربما بالقتل.. أولادي هم أنفسهم، كانوا على بينة من المشهد، لذلك لم أسمع لوماً ما منهم، بل كانوا يبكون أمهم بحرقة، ويتألمون لحالي، ولربما لمستقبل عائلي غامض ينتظرني وإياهم.                                                               

» 3

مضى زمن طويل، افتقدتها فيه، افتقدت ضحكتها، ضجيجها، شكواها من عبث الأولاد ولا مبالاتهم، وحرصها على توفير الوقت والجو المناسب لي. لم أكن أفكر في البديل، رغم هموم حياتنا اليومية المتصاعدة.. ثلاثة ذكور كبروا قليلاً.. لم يكونوا يجيدون أبسط الأعمال المنزلية، فقد عودتهم أمهم الراحلة على تقديم كل ما يلزمهم بيديها. فجأة آلوا إلى هذا الوضع، حاولوا أن يفعلوا شيئاً في البداية، دون جدوى. أخواتي.. حاولن أن يقدمن لنا بعض العون في أعمال المنزل بداية، لكن أزواجهم وبالتتابع بدؤوا يضيقون بهذه الحال، فغادرن واقتصرت أعمالهن على مايمكن انجازه في فترات متباعدة ارتبطت بزيارات الإطمئنان. أخوات الزوجة لم يقدمن الكثير أيضاً، بحجة أن الوضع لم يعد مناسباً بعد وفاة أختهن، فأنا موجود، ووجودهن معي في منزل مغلق صار يسبب لهن القيل والقال رغم وجود الأولاد. حاولت أن أسد العجز ببعض الأعمال، فلم أفلح كثيراً.. وعندما جاءت الفرصة الأولى للزواج، كان قد مضى أكثر من سنة على وفاة (فاطمة)، بدأت أسمع تعليقات أخرى:                                           

ــ معلوم.. لم يجف تراب قبرها بعد.                                 

ــ قال أستاذ قد الدنيا.. راكض يتجوز بعد هالعمر.                

ــ مساكين ها الأولاد بدهن يعيشوا مع خالة.                         

ــ كلهن بيحتجوا بأعمال البيت.. أي شو هالمشكلة لا عندهم رضيع ولا طفل. الصغير صار بالخامس.. وعندما سمع الأولاد بقراري، امتعضوا وتجمعوا في إحدى غرف المنزل، معبرين عن استنكارهم، حتى الكبير الذي كان في الجامعة، صمت ولم يبد أي رأي.   

أجلت مشروعي أشهراً، لعلي أحصل على موافقة أفضل، إلا أن إثارة الأمر من جديد أعادت إلي صورة غضب كنت أحاول أن أنساه، غضب جسده كبير الأولاد هذه المرة:

ــ قل لنا ماذا تريد ونحن بين يديك؟

ــ لا نريد امرأة غريبة بيننا..

ــ لا نحب أن يتحدث الآخرون عن فعلتك..

أطرقت، حاولت أن أرد عليه، أن أؤكد له أنها لن تكون غريبة، وعندما يتعرفون إليها سيختلف الأمر.. ثم همست له:

ــ إنني بحاجة إلى امرأة رغم كل شيء غضب من جديد وأفلت من بين يدي...

» 4                                                               

في اليوم التالي وصلت إلى البيت في موعدي المحدد، لأجدهم وقد اجتمعوا في الصالة وعلقوا يافطة بالخط العريض:

ــ لا نريد لامرأة غير أمنا أن تدخل البيت. ابتسمت، واغرورقت عيناي بالدموع، ودلفت إلى غرفتي، دون أن أنبس ببنت شفة. لم يكن أمامي سوى الإنصياع لرغبتهم، وتأجيل الموضوع إلى زمن قد يقصر أو يطول حسب الحال. المرأة التي دخلت حياتي، غضبت هي الأخرى، عندما أعلنت أمامها أنني اضطررت لتأجيل مشروع زواجنا قليلاً بسبب الأولاد. ابتعدت عني زمناً، وتركتني لوحدتي وآلامي.. ماذا أفعل؟ هل أتزوجها سراً؟ ولكن أين سيكون وجهي من أولادي الذين سيكتشفون الأمر بعد مدة؟ ثم أنني لا أستطيع فتح بيت آخر.. كما أنني سأظل بحاجة إلى امرأة أخرى تدبر شؤون بيت الأولاد. انتظرت أياماً بل شهوراً وسنيناً. اليافطة لا تزال معلقة في الصالة، وهمسات الآخرين تخترق مسامعي، والمرأة الأخرى غاضبة في بيتها، تنتظر القرار..

 

اضف هذا الموضوع الى:
باحث وأديب سوري
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3326682