إمـــلاق
مسعد الحارثي * - 1 / 7 / 2006 م - 1:42 ص

أيقظته زوجته في الثالثة بعد الظهر. نهض من سريره مقاوماً رغبته في النوم. طلب منها احضار كاساً من الشاي وهو في طريقه الى دورة المياه. بعد اخذ حمامه اليومي وحلق ذقنه اتجه الى غرفة الجلوس. فتح التلفزيون. المذيع يقرأ نشرة الاخبار: اعمال مدرجة, استقبال, توديع, انهيار مبنى, قصف, افلاس شركة, الاحوال الجوية. اشاح ببصره. علامات الامتعاض تفترس قسماته. تبادل اطراف الحديث مع ابنه الصغير. احضرت زوجته الشاي. فتاة جميلة تعلن عن نوع جديد من الشامبو. نظر بتركيز, شعر اسود, قوام فارع. احس بلسعة حارة وهويتناول الشاي. صدى صوت غاضب يردد "نحن هنا". طلب من زوجته مرافقته للتسوق. ابنه الصغير استعد ايضاً بحجة شراء بدلة رياضية جديدة. تأكد من وجود محفظته. اعطته زوجته قائمة باحتياجات المنزل. تمعن فيها. استل قلمه. أضاف في أعلى القائمة (شامبو).

وهو خارج من منزله ناوله حارس المبنى مجموعة من الفواتير المتأخرة الواجب سدادها وان لا ينسى احضار وايت لشفط مياه البيارة. نظر الى زوجته وابنه مطالباً اياهم بالتخفيف مستقبلاً من التبول او الامتناع عنه ان امكن. منطقة التسوق بعيدة عن سكنهم. لوحات تقع على جانب الطريق اخذ يتسلى بقرائتها (من اجلك نعمل)، (مائة عام من الرخاء). (الضمان الاجتماعي امان لكل مواطن). (اربط حزام الامان). (خفف من السرعة نحن بانتظارك). "ياساتر!! هي ناقصة". طلب من زوجته ادارة مؤشر الراديو بحثاً عن شيء (يروق). (600 مليون دولار حجم التبرع). صرخ في زوجته "انا قلتلك يروق ما هو يعكنن". ابتدأ مشوار البحث عن موقف حال وصولهم السوق المتفق عليه بأغلبية الاصوات. (ممنوع الوقوف). (مواقف خاصة بالمحل). (ادفع ريالاً تجد موقفاً). عند نزوله من السيارة تقدم منه رجل طاعن في السن:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
- انا جائع اريد ان آكل. قالها وهو ينظر الى الارض.
- هاه..هاه. حاول ان يتكلم ان يقول شيئاً. نظر الى السماء. انهمر صمت مختلف وخيم على الموقف. دمعة حرى تنساب على خده. ماأصعب ان يجوع الانسان في بلد يموت من التخمة. "عليكم اللعنة ايها الباحثون عن وصفات الريجيم في المجلات الهابطة". افاق من هول الصدمة. أخذه بيده بحثاً عن أقرب مطعم. وسط المدينة يعج بالمتسوقين. العمالة الآسيوية لها وجود واضح. طفل يبكي تحاول امه اقناعه بأنها سوف تشتري له الحلوى في المرة القادمة. محجبة تسأل بائع عن حجاب يبرز جمال عينيها. افريقية تفترش الارض و في عينيها استجداء للمارة للشراء من المكسرات التي أمامها. اخيراً وجد مطعم بسيط. سحب كرسياً ودعاه للجلوس ثم جلس قريباً منه وهو مشوش الفكر. نادى على النادل وأمره باحضار الأكل الذي يريده ذلك المسن. تأمل فيه, ثيابه رثة, حزن مستوطن في نظراته, تمتد عروق بارزة في يديه بخطوط متعرجة, جرح متقيح في رجله اليمنى. أحضر النادل الأكل. حاول الشيخ استخدام الملعقة بيد مرتجفة, تركها واستخدم يده. يتناول الأكل بسرعة لايهتم بما حوله. عينه على الصحن فقط. انتهى ونظر الى النادل فأحضر له طبقاً آخر. خفّت الرجفة من يديه، كذلك سرعته في الأكل. بدأ النظر حوله كأنه يشاهد المكان للوهلة الأولى. أحضر له النادل زجاجة مياه بدأ بشربها بتلذذ وقام خارجاً. دخل ابنه المطعم بحثاً عنه قائلاً " امي زعلانة". ذهب معه. امتص غضب زوجته. حدثها بالقصة كاملة. عند عودتهم الى المنزل لمح لوحة اعلانية. تمهل. اخرج الثلاثة رؤؤسهم من خلال نوافذ السيارة، وبدون اتفاق مسبق بينهم قالوا بصوت واحد: تفــووووووووه

تنويه :
هذه القصة تمت ترجتمها لثلاث لغات هي: الإنجليزية والفرنسية والإيطالية
اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «2»
أبو ياسر
[1]
[ المملكة العربية السعودية - نجران ]: 1 / 7 / 2006 م - 2:43 م
سبق أن قرأت هذه القصة في موضعٍ ما ( وجه يغمز ) , وقد رأيت مدى التفاعل الذي لقيته هذه القصة من قبل المواطنين العرب في كل الأمكنة التي تجمعني بك أيها الصديق الغالي .

فقصتك هذه يا أبا مجدي زاخرة بالهموم المختزلة داخل كل مواطن عربي , ولا أراك هنا إلا مبدعاً حين أحسنت قنص الفكرة التي تبدو مواتية أمامنا ولا من أحد يهتم , إلا أنك تأتي وبكل بساطة إلى سرد واقعها المؤلم والذي نراه منسدلاً على أرصفة الطريق بشكلٍ ساخر يكون ختامه مفردة يستحقها أكثر من وطن ..


كن بودّ .
علي اليامي
[2]
[ الوطن - نجران ]: 2 / 7 / 2006 م - 12:24 ص
قصه جميله والاجمل فكرتها والتداعيات التي حملتها وكامل المناقضات التي لا تفضحها الا اقلاما واعيه كقلمك النابض يا مسعد .
قاص سعودي
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3304619