يحكى أن رجلين استأجرا زورقاً ليمخرا به عباب البحر ثم يعودان إلى الشاطئ، لكن رياح البحر أخذتهما بعيداً وهناك أحاطت الأمواج بالزورق من جميع الجهات فصرخ أحدهما: الزورق يا صديقي في خطر وهو في طريقه إلى الغرق فأجابه الآخر بلا مبالاة: واحنا مالنا هو من أملاكنا؟! كان الرد غبياً ولا أقول ساذجاً، فلم يكن قائله يدرك أن الخطر الذي يحدق بالزورق إنما يحدق بهما سويا وأن غرقه يعني غرقهما ونهاية لحياتهما, وكثير هم الأغبياء في عالمنا الذين يعيشون في أوطان تحيط بها الأخطار والعواصف من الجهات الأربع ومع ذلك فهم يتصورون أن الأوطان هي التي ستسقط أمّا هم فسيكونون في منجاة ولن يلحقهم أذى انطلاقا من أن الوطن ليس ملكاً لهم أو يسير وفق هواهم، وهذا التفكير الخاطئ بل الغبي والخطير يدفع بكثير من الناس إلى اللامبالاة وعدم الإحساس بما ينتظر أوطانهم ويتهددها من قريب المخاطر وبعيدها.
ان سكان أي وطن في العالم هم في حقيقة الأمر لا يختلفون عن ركاب سفينة يمخرون بها عباب البحر، وأي تصرف غير مسئول لن يقود جزء من ركاب السفينة إلى الغرق فحسب، بل يقود الجميع إلى الهلاك المحقق، ويظل الوطن السفينة ، بيتاً للجميع ومكاناً يأويهم وعلى ترابه تتوهج أحلامهم وآمالهم وهو مصدر اعتزازهم في حالات السراء والضراء، وأي تخل عن الولاء له لن يكون سبباً في الإضرار بالمختلفين معهم فحسب وإنما سيكون الضرر للجميع.
ونحن في هذا الوطن جزء من هذا العالم، وهذه السفينة التي تمخر الآن في بحر عميق من الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الضبابية أحوج ما نكون فيه إلى التضامن ونبذ الخلافات وتجاوز القضايا الثانوية والإقبال على الحوار بصدور رحبة ونفوس نقية ومبرأة من التعصب والرؤى الأحادية المغلقة ، فالوطن بما فيه ومن عليه مسئولية الجميع، واتخاذ المواقف الحادة المتطرفة يضاعف من وتيرة الأخطار، والغرق ـ لا سمح الله - لن يكون لأشخاص بأعينهم أو فئة بعينها وإنما للجميع دون استثناء.
ومن هنا فالوطن أمانة في أعناق كل أبنائه أياً كانت مواقعهم وولاءاتهم المذهبية والفكريه أو مستوى مسئولياتهم واللامبالاة والوقوف على الحياد كالوقوف في صف الأعداء المتربصين بهذا الوطن والذين لا يريدون إلاَّ أن يظل الوطن في قبضة العواصف والانقسامات إلى أن يغرق أو يفقد وحدته وسيادته واستقراره التي هي الوسيلة الوحيدة والممكنة إلى البناء والتطوير والتحديث.
والآن، وفي مناخ الحوار هل نستطيع أن نتمثل صورة الوطن الجديد وطن الوحدة والتعددية ، وطن النظر إلى المستقبل والرخاء والمواطنة المتساوية ، وطن التسامح والخروج من مراحل تقليب دفاتر الماضي القريب والبعيد واجترار الأحاديث المكررة عن أخطاء أو خطايا زمن مضى وانقضى بعد أن أصبح الهم الأساس هو ما يواجه الجميع من أخطار آنية وبالدفع بهم جميعاً إلى البدء في إنجاز ما يمكن إنجازه للاقتراب من عالم اليوم وكيف نبتعد بالوطن عن الوقوع في براثن المستجدات الدولية، السياسية، والاقتصادية وما تفرضه من إملاءات قاسية وشروط مخلة بالقيم والمبادئ سيما اننا في وطن ما يزال يصنف من دول العالم الثالث.