نجران الحديثة: (3) لمحات عن التطور العمراني
قد لا يدرك الكثير من زوار نجران أن المظهر العمراني لنجران اليوم لا يتجاوز عمره عمر الدولة السعودية الراهنة. فقد كان البناء السكني في نجران ينحصر غالبا في وسط الشريط الحضري الأخضر الذي يمتد على ضفتي وادي نجران. فقد كانت قرى نجران وحواضرها السكنية منتشرة بشكل متفرق على امتداد الوادي من جهتي الشمال والجنوب وسط بساتين النخيل التي بدا العمران الحديث يهاجمها اليوم من كل الجهات. وظلت المناطق التي تقع خارج ذلك الشريط الأخضر مجرد متنزهات برية ومقاصد للرعي وخالية من البناء على مر العصور. ولم تكن هنالك حاجة ملحة للتوسع خارج الأراضي الزراعية القريبة من مصادر المياه.  وخلال العقود السبعة من توحيد المملكة ونهضتها فقد شهدت نجران نقلة إدارية وعمرانية تمثلت في إنشاء المراكز الإدارية والمدن السكنية التي من أبرزها:
-            مدينة (أبا السعود): أو البلد القديم – كما يطلق عليها – وهي أولى المدن التي تم تطويرها في نجران، وقد أشرنا فيما سبق إلى أنها قد أنشئت لتكون مقرًا لقصر الإمارة بنجران مع دخول نجران في الحكم السعودي الزاهر، مما أدى إلى سرعة تطوير المدينة وإقامة أحياء سكنية جديدة بها، وقد تضاعفت مساحتها أضعافًا مضاعفة عمّا كانت عليه عند بداية إنشائها.
 
وعلى الرغم من انتشار مظاهر الحياة الحديثة بمدينة (أبا السعود) من شوارع معبدة، ومنشآت حكومية (كالمستشفى، والمدارس والإدارات الحكومية، والمصارف، والمساجد ... وغيرها)، إلا أن المدينة تحمل في عمومها عراقة الماضي وروح التراث النجراني، وهو ما يتجسد في انتشار الكثير من المباني الطينية، التي كانت الخيار الوحيد لنوعية البناء وشكل العمران, مع حرص أصحابها على إقامتها بتلك الصورة النمطية القديمة، حتى بعد دخول نجران عصر النهضة العمرانية. فقد ارتبط الأهالي بتراثهم المعماري المميز منذ آلاف السنين؛ لما فيه تصاميم ضرورية وزخرفات خاصة. وقد أشار (فيلبي) – عند زيارته لنجران عند دخولها تحت مظلة الحكم السعودي – إلى طرز البناء في نجران، معتبرًا أنها من أبرز ما يميّز النجرانيين لأنها كانت أشبه بـ (القلاع) منها بالبيوت.
 
وفضلاً عمّا تمثله تلك المباني من اعتزاز الأهالي بتراثهم فإنها تتميز في الوقت نفسه بالمتانة، وبالحفاظ على اعتدال درجة الحرارة داخل تلك البيوت في مختلف فصول العام [1] . وحتى بعض ما يتم بناؤه من بيوت حديثة (العمارة الأسمنتية) غلب عليه الطابع التراثي، سواء من حيث التصميم أو التنظيم أو الطلاء الخارجي. وكما أشار بعض زوار نجران إبان دخولها تحت الحكم السعودي فلم تعرف نجران قبل ذلك الزمن المجمعات العمرانية التي تمثل قرية أو مدينة متراصة مبانيها ومتشابكة كما عرف عن المدن والقرى في الحواضر الأخرى.
 
وقد جاء تخطيط مدينة أبا السعود ليشكل نقلة نوعية في التخطيط العمراني في نجران حيث تميزت أبا السعود بطابعها الخاص الذي يشعرك بروح المدن القديمة ذات الشوارع المتوسطة والممرات الضيقة والمباني المتلاصقة التي بنيت حول السوق الرئيسي ومركز المدينة. وترتبط الأحياء السكنية في مدينة (أبا السعود) بشبكة من الطرق المرصوفة – الرئيسة والفرعية – وتنتشر فيها الدكاكين والمعارض التجارية، فضلاً عن المطاعم، ومحلات الخدمات العامة، واستوديوهات التصوير .. وغيرها. كما ضمت أكبر أسواق الخضار والفواكه واللحوم، وهو ما جعلها نقطة اتصال بين مدن وقرى نجران المختلفة. ولأول مرة في تاريخ نجران وطبيعة تفاعلها تجاريا فقد وفرت مدينة أبا السعود سوقا متاحا للجميع طيلة أيام الأسبوع, يزداد نشاطه وحركته في يوم الاثنين حيث وسط الأسبوع, وبشكل أكبر نشاطا وأكثر ازدحاما في يوم الخميس من كل أسبوع حيث نهاية الأسبوع وقدوم التجار وقاصدي السوق من كل أنحاء نجران حاضرة وبادية وأيضا من المناطق المجاورة لنجران. 
 
عيد نجران-            مدينة الفيصلية: ويرجع إنشاؤها إلى العام 1385هـ، لتكون امتدادًا وتوسعًا عمرانيًا لنجران القديمة (أبا السعود)، حيث تبعد عنها إلى جهة الشرق بحوالي (10) كيلو مترات تقريبًا. وكان مخطط المدينة الفيصلية عند إنشائها قد وضع ليكون نموذجًا متكاملاً للمدينة الحديثة بكل متطلباتها من شوارع فسيحة، وميادين متعددة، ومنتزهات ومستشفيات ومدارس موزعة بطريقة مدروسة، بحيث تخدم جميع أحياء المدينة. وقد تضافرت عوامل عدّة لتكون الفيصلية على هذا النحو من النموذجية ومنها:
-            انتقال مقر الإمارة المركزية [1]  بنجران إليها، فضلاً عن الإدارات الحكومية الأخرى، كرئاسة البلدية، وإدارة الجوازات، والشرطة، والمطافئ، والبريد.. وغيرها من المصالح الحكومية.
-            اتساع الموقع الذي أقيمت عليه المدينة وانبساطه ما أعطى للقائمين على التخطيط والتصميم الفرصة الكاملة لتنفيذ المدينة بالشكل النموذجي السليم[2] .
-            توسط المنطقة بين قرى وبلاد نجران المنتشرة حول وادي نجران ووادي حبونا، ما جعلها تجتذب السكان والمقيمين في نجران للسكن بها، تأسيسًا على أنها ستكون حلقة الوصل الجديدة بين قرى نجران المحيطة بها.
-            الدعم المادي من قبل الدولة، والذي تجسّد في إتمام البنية التأسيسية للمدينة ([الطرق، الخدمات، الإدارات الحكومية)، من جهة، وفي دعم الأهالي – عبر منح الأراضي التي خصصتها الدولة للمواطنين في أكبر واول عملية توزيع للأراضي السكنية تشهدها نجران لتقام عليها المساكن الخاصة، من جهة أخرى.
 
-            مدينة الخالدية:[3]  لم يمض على إنشاء مدينة (الفيصلية) سوى أقل من عشرين عامًا، حتى بدأت تزدحم بالسكان، الذين كان عددهم في تزايد مضطرد، وأصبح مركز المدينة يشهد ازدحامًا شديدًا نظرًا لكثرة المراجعين للدوائر الحكومية من الأهالي، فضلاً عن الموظفين الحكوميين العاملين بتلك الدوائر، فجاءت ثالث مدن نجران إنشاءً وتأسيسًا – في الفترة الزمنية التي حددناها لهذا البحث – مجسّدة في مدينة (الخالدية)، التي أنشئت على بعد عدّة كيلومترات إلى جهة الشرق من مدينة (الفيصلية)، وبالمواصفات الحديثة نفسها التي تأسست عليها مدينة (الفيصلية)؛ من حيث التنظيم وتوزيع جهات الخدمات من مدارس وأسواق تجارية وغيرها من احتياجات المواطنين. وما لبثت الإمارة المركزية – مع غيرها من الإدارات الحكومية الرئيسة – (بنجران) أن انتقلت من الفيصلية إلى (الخالدية)، لتمنحها ما سبق أن منحته (لأبا السعود) و (الفيصلية) من أهمية عمرانية وإدارية, أو لتعكس عدم قدرة المخططين على التنبؤ بالتطورات العمرانية المستقبلية.
 
شارع الملك عبدالعزيزوإضافة إلى إقامة المدن السكنية الجديدة، كانت الدولة تعمل على تطوير قرى نجران المنتشرة في الأودية والهضاب الشمالية، وذلك من خلال توصيل خدمات الطرق والكهرباء والهاتف وغيرها من الخدمات الأساسية، وتزويدها بالمستشفيات والمراكز الصحية والمدارس وغير ذلك من متطلبات التنمية [4] . وتجدر الإشارة إلى ما أحدثته برامج صندوق التنمية العقارية من دعم قوي لسرعة انتشار الرقعة العمرانية في أرجاء منطقة نجران. كما كان هنالك أثر إيجابي كبير على النهضة العمرانية بسبب العائدات المادية التي أحدثتها الحركة التجارية المتنامية من بيع وشراء, وكذلك الدخل المالي المتنوع لأبناء نجران العاملين خارج نجران.
 
ويحسن بنا أن نشير إلى ظاهرة هامة في هذا السياق، لفتت أنظار العديد ممن زاروا منطقة نجران وخصوصًا عند بدء نهضتها العمرانية، ألا وهي مشاركة الأهالي وتعاونهم الجاد والمخلص مع (إمارة المنطقة) و(رئاسة البلدية) في تنفيذ الأعمال الأساسية التي نقلت المنطقة من أحوالها المتواضعة في الماضي إلى حاضرها الزاهر المشرق. كذلك برز هذا الدور في محافظة أهالي المنطقة على ما كان يتم إنجازه من مشاريع تطويرية للنهوض بالمنطقة. وقد لفتت هذه الظاهرة انتباه أحد الصحفيين الذين زاروا نجران في منتصف تسعينيات القرن الرابع عشر وتحديدًا أوائل عام (1395هـ) فكتب مشيدًا بما كان يقوم به أهالي نجران من جهود للحفاظ على جمال منطقتهم ونظافتها، بقوله: "مدينتهم صغيرة، إنهم يغسلون شوارعها بالماء بمجرد أن تهب عليها الرمال، ولا يلقون النفايات في الشوارع؛ ويحافظون على جميع المرافق الحديثة لديهم. وإن كل من يزورها يشعر بأن وراء كل ما يرى ويشاهد، رجالاً يعملون بإخلاص، وعندهم ذوق رفيع؛ ويستفيدون – إلى أقصى الحدود – من الإمكانات التي لديهم".
ويتابع هذا الراصد لما أصبحت عليه نجران من تطور عمراني وإداري وحضاري، بقوله: ".. شوارعها حديثة، ومنسقة، ومخططة تخطيطًا حديثًا. إن ذلك كل، وأكثر منه بكثير في أقصى جنوب المملكة، على تخوم الربع الخالي.. إن ذلك كله في نجران، إنها أنظف مدينة في المملكة" [1] .
[1]  انظر: سيد الماحي: "نجران الحديثة"، مرجع سابق، ص 118.
[1]  تتبع الإمارة المركزية في نجران في ذلك الزمن أكثر من (25) إمارة فرعية.
[2]  انظر: مجلة (الفيصل)، دراسة بعنوان: "نجران: التاريخ الخصيب"، العدد (109)، السنة (10) 1406هـ/1986م، ص 66.
[3]  انظر: "هذه بلادنا"، كتاب وثائقي صادر عن وزارة الإعلام، ط1، 1421هـ/2000م، ص 313، وانظر أيضًا: http://www.suhuf.net.sa/2002Jaz/sep/1/hvl.htm.
[4]  انظر: (نجران في الماضي والأمس واليوم) دراسة من إعداد المهندس: حسين بن فيصل أبو ساق، نشرتها في حلقات صحيفة الرياض، الحلقة الثالثة، العدد (11687) بتاريخ 21/3/1421هـ - 23/6/2000م.
[1]  من مقالة كتبها الصحفي الكبير الأستاذ/ محمد علي حافظ، تحت عنوان: صباح الخير، ونشرتها صحيفة (عكاظ) في عددها رقم (3195) الصادر بتاريخ 9 محرم 1395هـ.
اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «6»
hyatt Naj
[1]
[ نــــــــجرانـــ ]: 20 / 12 / 2009 م - 1:17 ص
ماتكتبه سعادة اللواء شيء قليل بحق مدينتنا الرائعه ولك كل الشكر على ماتقوم به من جهد, للاضاءه على جزء هام من تاريخ نجران واهمها التطوير العمراني الذي يعكس صوره عن اهل المنطقه..واريد ان اضيف انه لايزال ابناء المنطقه يهتمون بتراثها بطريقه جدا رائعه وبجهود شخصيه للابقاء على تاريخ وعراقة المنطقه ولتشجيع السياحه في نجران ,,فمازالت المباني القديمه هي الاكثر زياره وابهار واعجاب من قبل السياح..دمت ابنا وفيا لهذا البلدودام عطاؤك.
عيضه
[2]
20 / 12 / 2009 م - 7:09 م
موضوع ممتاز ...
الله لا يهينك ياسعادة الدكتور

حن يالجيل الجديد نحتاج بعض المعلومات المهمه زي ذي

انا اشكر الدكتور على المعلومات المهمه
محمد اليامي
[3]
[ استراليا - سدني ]: 22 / 12 / 2009 م - 8:03 ص
حقيقة ان ما يقدمه لنا سعادة اللواء ابو ساق ليس بقليل
فهو من قدم الكثير عن تاريخ نجران الماضي والحاضر في سلسلة من الحلقات التي تمتد زهاء عدة اشهر هذه الصحيفة الرائعة التي تتخذ منهجية وموضوعية قلما نجدها في الصحف الالكترونية الاخرى فشكرا لسعادة اللواء على الطرح المميز وشكرا للصحيفة على استمرارية النشر  
اليامي
[4]
[ السعودية - الجبيل الصناعية ]: 22 / 12 / 2009 م - 8:51 ص
مع التحية لسعادة اللوا ابو ساق نشكركم علي اهتمامكم با المنطقة واريد معلومة عن محافظة بدر الجنوب فهناك اناس يذكرون بان هذة المحافظة من اعرق واقدم المحافظات ومن طلق الغزوات قبل الحكم السعودي فنريد المعلومات كونكم الموسوعة التي نرجع لها وتقبل احترامي
بنت نجران
[5]
[ نجران - فضاء نجران ]: 27 / 12 / 2009 م - 3:32 م
سعادة اللواء ماتقوم به مجهود رائع يشار له بالبنان لذلك أتمنى أن تكون فكرة دمج جميع المواضيع بكتاب واحد تراودك

لأني بت أخشى من ضياع نجران الماضي ونجران الحاضر في ظل العولمة والضجيج الذي نعيشه فلا تجد الاجيال المقبلة الا البنايات الشاهقة المتلآلئه ..

كنت ممن حضرن الملتقى الثقافي الذي كان لك بصمة فية واتمنى تكرار حضورك ببصمة أعمق نظراً للكم الهائل من المعلوماتية النجرانية لديك لذلك فإنة يقع عليك عبء نشر مالديك ليس فقط نتياً بل أيضاً شفهياً .
hyatt Naj
[6]
[ نـــــجرانـ ]: 28 / 12 / 2009 م - 12:52 ص
يعطيك العافيه سعادة اللواء مره اخرى ولكل المتابعين لما تقدمه ...وأنا أضم صوتي لبنت نجران في تقديم ماتكتبه ضمن كتاب عن نجران ولنجران في الماضي والحاضر على الاقل ليس من اجلنا من اجل الجيل الصاعد,,,الذي لايعرف من نجران الا اسمه ...وبالتوفيق
رئيس لجنة الشئون الأمنية بمجلس الشورى
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3315811