الحلقة الثالثة
أبو ساق: القبيلة لاتزال أهم المؤسسات الاجتماعية والأحكام القبلية لاتخالف الشرع
جانب من الحشود التي اجتمعت من أجل الصلح أمس في نجران
حشود للصلح في أمر ما وفق الأعراف القبلية

في الحلقة الثالثة من حوار «صوت الأخدود» مع اللواء الركن الدكتور محمد بن فيصل أبوساق حول دراساته المتعلقة بنجران القديمة تطرق الحوار الى العديد من الملاحظات التي سجل بعضها القراء في تعليقاتهم على حلقات "دراسات نجرانية" وقد أخرت الصحيفة نشر هذه الحلقة بقصد إتاحة الفرصة لأكبر عدد من القراء بمواكبتها حيث صادف موعد نشرها إجازة عيد الفطر المبارك والذكرى السنوية التاسعة والستون لتوحيد المملكة "اليوم الوطني".. ويسرنا العودة الى مواصلة الحوار عبر هذه الحلقة.

هاليفي والفقهاء

ـ في الحلقة الخامسة تطرقت لعدة نقاط لم تكن جزءا من الموضوع الخاص بالعادات والتقاليد والتي أثارت القراء وحمست تفاعلهم، ومن ذلك قول هاليفي عن تدارسه لعلوم ما وراء الطبيعة مع عدد من فقهاء وشخصيات منطقة نجران عندما كان في ضيافتهم، وكان احد الردود يتساءل عن عدم ملامسة هذا في واقع اليوم وعرض فكرة أن المدرسة الدينية المحلية أهملت هذا الجانب، ما رأيك بهذا؟

في البداية أرغب في التوضيح بأنني قد تلقيت اتصال من أحد الإخوان في نجران يذكر نسب السيد (محمد بن لفة) كما في المصدر وصحح الاسم الأخير بأنه (ابن لغه) - بكسر وتخفيف اللام-, ووعد بأن يستكمل المعلومة ويضيفها في موقعها المناسب في الحلقة الخامسة. وذكر أن اسم أسرته بحكم طول المدة والتكاثر قد تغير بحسب تفرعها الجدي وتغيرت مساكنهم, ولا يزالون يقيمون في نجران.
ويتضح من حوار الرحالة جوزيف هاليفي وهو جغرافي ورجل دين يهودي فرنسي أن نقاشات ما وراء الطبيعة تعني بالحوار في أصول العقيدة التي ينظر إليها بعض المفكرون الغربيون أنها غيبيات حيث الإيمان بالخالق تعالى وبقدرته جل وعلى وآياته التي يؤمن بها المؤمنون. وبالتالي فهي ليست مدرسة فكرية فلسفية مستقلة, كما قد يتبادر إلى ذهننا بقدر ما هي الإيمان الخالص لوجه الله وقدرة الفقهاء على شرح أصول العقيدة بما فيها من فروقات بين ما جاء به الرسل.
وحول وجود مدرسة فلسفية من عدمها أقول أن العبرة بالنتيجة في وجود مدرسة فكرية وفلسفية متطورة اليوم أو الأمس. وتعتبر معطيات المقارنة والقياس بين ما هو موجود أو مفترض انه موجود في الأمس أواليوم هي المحك الأساسي لتقرير ذلك. فقد كثر المثقفون وتناما وعي الناس الفكري وقدرتهم على المقارنة والتحليل والتمييز بين ما هو حقيقة وما هو مجرد افتراضات وأمال. ولأن الفارابي يعتبر المعلم الثاني بعد أرسطو فلا يزال اسمه يتردد وفكره يبهر الدارسين للفلسفة حتى اليوم رغم القرون الطويلة منذ وفاته. فإن كان لدينا بالأمس الوسيط أو القريب أو حتى اليوم مدرسة لها رواد ومستفيدين فمن المفترض أنهم يعيشون بيننا ويؤثرون فينا, وأننا نعرفهم أكثر من معرفتنا لأرسطو والفارابي وغيرهما.
العادات والتقاليد

- احد القراء أيضا حاول إثراء الحلقة الخامسة بذكر تفاصيل دقيقة عن العادات والتقاليد والتي عبرت بها بشكل عام ولم تقدم لها أمثلة واضحة ولخصتها بطريقة لا تتطرق لتفاصيل تحمل في داخلها الكثير من الموروث التاريخي أيضا والذي يعتمد السياق اللغوي واللهجة والعبارات المستخدمة في العادات والتقاليد جزءا يشرح هذه العادات والتقاليد ويوضحها، هل سيكون هناك عرض مفصل في كتابك عن هذه العادات والتقاليد أم ستلتزم بالطرح العام والمختزل؟

نجران في صورإنني سعيد بذلك, وأقدر أي إضافة. ومن هدف مشاركتي أن أثير الاهتمام نحو شئون وأحوال معينة تسهم في جذب الكثير من القادرين للإضافة أو التصويب؛ وأشرت إلى ذلك في هامش الحلقة الأولى. وقد أصدرت الأمم المتحدة نظام يعنى بتشجيع الحفاظ على التقاليد والعادات للمكونات الاجتماعية على المستوى العالمي والإقليمي والمحلي. وكان ذلك تحت عنوان الموروث الثقافي غير المادي وعرفه النظام على انه مجموع العادات والتقاليد واللهجات والأشعار والعروض الشعبية الخ. وسيكون في كتابي عرض أكثر مما نشر هنا عن العادات والتقاليد, إلا انه يظل مختصرا. والإطالة في العرض تستوجب كتاب مستقل يستوفي التفاصيل الدقيقة في الموروث المادي وغير المادي وكل مظاهر التقاليد والعادات.

القبيلة والمدنية

- ذكرت في الحلقة الخامسة أيضا أن العادات والتقاليد كانت تنظم الحياة الاجتماعية في منطقة نجران حتى قيام الدولة السعودية وذكرت حينها أن المجتمع في هذه الحقبة تحول إلى مجتمع مدني بوجود الدوائر الحكومية وقيامها على تنظيم أمور المجتمع، والسؤال هنا أليست العادات والتقاليد والأعراف وعمليات تنظيم المجتمع يجعل من القبيلة مؤسسة مدنية يمكن تفعيلها مرة أخرى بطريقة تخفف من العبء المتزايد على الدوائر الحكومية؟

سؤال جميل جدا. أعتقد أن مؤسسة القبيلة تعد أهم المؤسسات الاجتماعية وابلغها تأثيرا في حياة الناس. وبمثل ما كان للروابط والعلاقات القبلية دور أساسي في تحقيق وصيانة السلم الأهلي قبل التنظيم المدني الحكومي, فإن مؤسسة القبيلة هي أيضا الأقدر على تطوير مقومات الحياة المدنية بما فيها من نظم وتشريعات لتعزيزها وصيانتها تحقيقا لحياة أفضل. وقد أحسنت الحكومة بحكمة وحنكة في دمج المجتمعات تدريجيا للانضواء تحت النظام المدني الحكومي الذي ليس لهم به سابق عهد.
وقد عملت الحكومة مبكرا على الاستفادة من التركيبة القبيلة الاجتماعية وفعلت كثيرا من الأعراف الاجتماعية التي هي أصلا لا تختلف مع النظم الحكومية في شأن الإصلاح الاجتماعي وفض النزاعات والفصل في قضايا الأملاك الجديدة وخصوصا الخلافات على الحقوق بين الأسر والعشائر في أملاك مشتركة. وقد كان الناس إلى وقت قريب وبعضهم إلى يومنا هذا لا يحبذون أن تنهى خلافاتهم البينية في أروقة الشرط والمحاكم فيحبذون صلحا قبليا متعارفا عليه على يد أحد عقلاء الرجال المعروفين.
ويعكس الترابط الاجتماعي للأسر والعشائر والقبيلة بصفة عامة وما بينهم من عاطفة وحمية وصلة رحم وتراكم للعلاقات المتسلسلة من جد إلى حفيد أن القبيلة مؤسسة اجتماعية يمكن التعويل عليها للإسهام في إيجاد بيئة اجتماعية وطنية فيها تكافل وتعاون مدني وأمني بكل معنى الكلمة. فكلنا نعرف أن الأسرة أو حتى القبيلة حينما تكون غير مفككة تكون أكثر صلاحا وأكثر تعاونا ويمكن أن تسهم إسهاما كبيرا في تحقيق مستويات مدنية رفيعة في شتى المجالات. والقبيلة ليست مجرد شتات من الناس يعيشون عبر التنقل الدائم بحثا عن الماء والكلأ, بل هم جموع متعارفة تربطهم شيم وقيم وعادات حميدة حتى وان تنقلوا هنا أو هناك. والقبيلة أيضا تتمثل غالبيتها من سكان قرى كثيرة وحواضر كبيرة وبينهم استقرار متوارث ونظم دقيقة لإدامة دورة الحياة.
ولو قرأنا تاريخ نجران خصوصا ومثلها كثير من المناطق بعد دخولها للحكم السعودي لعلمنا أن البنية التحتية للنظام المدني كانت متوفرة إلى حد بعيد عبر البيئة الاجتماعية القبلية. ولم تنشا الشرط بشكل مكثف أو قوات حرس الحدود أو المباحث والبحث الجنائي والمراكز الرسمية وغيرها إلا في زمن متأخر حين تعقدت الحياة واختلطت كثير من الأمور وتراجعت بعض المسئوليات الاجتماعية.

من منصد شهران
رفع الراية البيضاء بعد الصلح

وحتى في الدول الأكثر مدنية والأكثر تعقيدا في حضاراتها والتي تنعدم فيها التركيبة الاجتماعية القبلية كليا نجد أن فيها من يبحث عن بدائل اجتماعية تقوم مقام القبيلة تقريبا نظرا لأهمية العلاقات الاجتماعية في حياة الناس. وحيث تصعب حياة العزلة والفردية وتكثر فيها المشاكل فإن عدد من الأندية الاجتماعية قد أنشئت لتصبح بديلا اجتماعيا للمكونات العرقية والاجتماعية الكبيرة.
ولا زالت نظرية ماسلو في سلم حاجات الفرد والجماعة أصدق مؤشرا على الحاجة إلى الانتماء, وهنالك نهضة في إعادة تكوين ورسم شجرة العائلة بين مجتمعات اختفت أو كادت أن تختفي  روابطها الاجتماعية.
بل أن هنالك رجعة كبيرة في الدول المتقدمة للبحث عن الجذور العرقية إدراكا بالحاجة المادية والمعنوية للروابط الاجتماعية المبنية على جذور اجتماعية بعيدة المدى. وتلك أحوال تثبت ما ذكر القرآن الكريم من أن الله جعل الخلق شعوبا وقبائل ليتعارفوا. فالشبكة الاجتماعية الأكثر تعارفا وترابطا تصبح لديها حالة من الوعي والإدراك بضروريات الحياة لصالح الجميع, وتصبح لديها تقنيات يصعب حصرها للعمل الايجابي حين تكون الحاجة لتفعيله.
وليس من شك أن الحاجة المعنوية للانتماء الاجتماعي المتدرج بدء من الأسرة يصب في مصلحة الوطن حين نحسن توجيهه والاستفادة منه. ومع تعدد فوائد الانتماء والترابط الاجتماعي الذي يتم كنتيجة حتمية لخلق البشر حين يحسن الحفاظ عليه ومنع العبث به. ومن الضروري الإشارة هنا إلى ما يحدث من سلبيات حين تتحول القبيلة إلى مجرد وعاء فارغ لتنمو فيه النعرات والمنافسات والسباق إلى مكاسب مادية أو معنوية على حساب الحقوق المادية والأخلاقية للآخرين.
ومن العبث أن يفترض أحد أن مجرد انتماء الشخص لقبيلة معينة يعد مفتاحا لجعل ذويه وبني قبيلته يسهلوا له أو يمنحوه ما لا يستحق وخصوصا حينما يكون الاستحقاق للآخرين. وان حدث شيء من ذلك فهو حقيقة لا يعد من شيم القبيلة الصافية التي تعد من أخلاق الفرسان وهي قيم العرب التي بعث الرسول الكريم ليتممها بنشر رسالة الإسلام الخالدة. فالقبيلة تكوين اجتماعي طبيعي نتيجة لتكاثر الناس واستمرار تعارفهم وارتباطهم ووعيهم بانتمائهم العرقي. ولا أتصور أن أحد يدعو إلى تشتيت الناس وتفرقتهم اجتماعيا حتى لا يقال أنهم ينتمون لقبيلة.!
ونظرا لكون هنالك سلبيات تنتج عن تصرفات من ينتمون لقبيلة فهذا شيء طبيعي مثله مثل الأخطاء والسلبيات التي تحدث في أكثر الدول مدنية وتلك التي تنعدم فيها التركيبة القبلية. وكل تصرف غير لائق يفترض أن يواجه بما يناسبه من وسائل إصلاح وترشيد أو ردع. واجد أن القبيلة اقدر من غيرها -إن أحسن استغلال هذه الميزة- لإيجاد بيئة سليمة حيث آلية وسرعة الإنكار والغيرة الجماعية على نبذ السلبيات. بل أجد أن من الخطورة العبث بالتركيبة الاجتماعية الطبيعية فقد تتسلل الأفكار والسلبيات وتكثر التحزبات تحت مؤثرات أيديولوجية أو مدارس فلسفية موجهة لمصالح أو رؤى ضيقة دون وعي جماعي.

العنصرية والنعرات

صور من نجران- وبناءا على السؤال السابق أيضا ، إلا تعتقد أن مظاهر تنظيم المجتمع النجراني بواسطة العادات والتقاليد قد دخلت في مفارقات من المبالغة القبلية التي نشأت حديثا مع تزايد العرض الإعلامي لمسائل التراث القبلي، وكيف يمكن الموازنة وتفادي أن تصبح القبيلة مثيرة للعنصرية والنعرات وان تكون نظام اجتماعي يحافظ على كيان المجتمع حتى في غياب السلطة؟

المجتمع المحلي النجراني كان من أكثر المجتمعات ترابطا واستقرار وثقة وليس فيه منافسات شكلية لتسليط الضوء على فئات دون أخرى بطرق مبتذلة أو مسببة. وليس من شك أن الانفتاح الإعلامي العالمي والإقليمي وما شهدنا مؤخرا من برامج تعرضها الفضائيات سوف تكون له محاكاة محلية كما نلمس في كثير من المناطق. ومن المؤسف أن تستغل وسائل الإعلام بطرق تسيء للمجتمعات تحت إغراء التكسب المادي أو الشهرة. وهذه الظواهر تنشا في الغالب فجأة تحت أي تأثير أو لأسباب خاصة ولكنها تتخافت بعد فترة من الزمن. وقد يصرف البعض جهودا وأموالا ويدخلون في مشاحنات, وتعول أمال على أن هذه المظاهر سوف تحقق لهم مكاسب توازي حجم التعب والبذل ويكتشفون لاحقا أن لا بد لكل شيء من نهاية. وفجأة تختفي تلك المظاهر المفتعلة وتعود الأمور إلى سابق عهدها بهدوء بعد دورة من البروز والمتاعب. ورغم ثقتي أن الأمور حين تزيد عن حدها تنقلب إلى ضدها, فإن من الحكمة أحيانا أن يكون هنالك تدخل رسمي ضمانا لبيئة اجتماعية لا يكثر فيها العبث.

الأحكام القبلية والشرعية

- كيف يمكن الموافقة بين النظام في التحكيم الشرعي الإسلامي المعتمد في أنظمة الدولة القضائية وبين عرف التحكيم بين القبائل في مسائل القتل والجرم التي قد تحدث بين القبائل. أليس في هذا ازدواجية في التنظيم وخروج عن منظومة المجتمع المدني الخاضع لسلطة الدولة؟

لا بد أن نعرف أن الأحكام القبلية في بيئتنا الاجتماعية ومحيطها كانت ولا زالت متوافقة مع الشرع الإسلامي. ولا يزال البعض يستفيدون من جودة الأحكام وفض النزاعات البينية وخصوصا العائلية بشكل ودي وعبر أعراف اجتماعية بوقوفهم وإنهاء خلافهم على يد احد العقلاء. وهنالك الكثير من القضايا الاجتماعية اليوم بما فيها حالات قتل أو نزاع على أملاك يتم إنهائها ووضع حلولها بشكل قبلي عبر أحد المشايخ أو الأعيان ممن لهم دور معروف ثم توثق في المحاكم ويصدر بموجب الاتفاقيات صكوك شرعية تنهي الخلافات. واعتقد أن الصلح والتراضي بأقصر الطرق وكذلك وجود رجال نبلاء لهم احترام وموثوقية وقدرة على فض النزاعات ووضع ضوابط الإصلاح والتسامح وحفظ الحقوق تعتبر مؤشرا إيجابيا وصفة مدنية حميدة.
وكما أسلفنا في إجابة سابقة فإن البعض لا يحبذون حل مشاكلهم عبر الدوائر الرسمية والشرط والمحاكم ويفضلون الصلح لأكثر من سبب وخصوصا أنه أقصر طريقا لإنهاء الخلافات. وتجدر الإشارة إلى أن إنهاء الخلافات بأنواع من الصلح بعيدا عن المحاكم والقوانين والمحامين شان معروف ويتم حاليا في أكثر الدول تقدما ومدنية, وحتى أن بعض المحاكم الغربية تقر الاتفاق والصلح بين الخصوم خارج إطار المرافعات القانونية وتعتمده.

اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «1»
mansour hamad
[1]
[ ksa ]: 14 / 10 / 2009 م - 10:42 ص
اجابات موفقة ومفيدة وفيها معلومات وفيها فوق ذلك تحليل دقيق وتشخيص واقعي

ليت الغذام يقرا هذا الانصاف للقبيلة بشكل واقعي
شخص الواقع باسلوب جديد لا يمكن ان نختلف معه
وذكر السلبيات والمآخذ وقارن مع حضارات اخرى
ودعى الى المدنية مشيرا الى الايجابيات
تحية وتقدير للجميع
رئيس لجنة الشئون الأمنية بمجلس الشورى
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3326683