تحية للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. سار ورفيقة دربه أمام السياسيين العرب. أعطى الشرق درساً. رفيقته كائنة حرة لا جوهرة محفوظة. رفيقته حبيبة محترمة.
تحية ثانية لساركوزي. لم يفعل أكثر من المحافظة على مبادئ ثورة الحرية.
مثلما يحافظ آخرون على مبادئ العقيدة القويمة لمؤسسيها.
تحية لساركوزي الذي قال: «النقاب ليس رمزا دينياً... انما مؤشر على استعباد».
متى كانت الملابس تحدد علاقتنا مع الله؟
متى؟ في أي عصر وبأي زمن؟
بالطبع من غير المعقول أن يشهد وريث شهداء الحرية، والمسؤول السياسي عن قيم علمانية فرنسا والمساواة بين الجنسين، كرامة امرأة تنتهك على أرض بلاده ويقف صامتا.
هذا رأي ساركوزي في النقاب:
«البرقع ليس مشكلة دينية... انه مشكلة متعلقة بحرية المرأة وكرامتها. انه ليس رمزاً دينياً، بل مؤشــر على الاستعباد. البرقع غير مرحب به في فرنسا... لا يمكننا أن نقبل في بلادنا أن تقبع النساء سجينات خلف سياج ومعزولات عن الحياة الاجتماعية ومحرومات من أي هوية... هذه ليست الفكرة التي لدينا عن كرامة المرأة».
فلتشف هذه الكلمات غليل كل مؤمنة.
كيف يهين كشف الرأس كرامة المرأة؟
عينان وأنف وفم وشعر... ما الرابط بينها والكرامة؟
ما الرابط بين الايمان والشعر؟
بين الاسلام والخدين؟
هل تخلق خيوط الحرير حول الرأس عفة انسان؟
تسييس الموضوع وتحويله لمادة تندد بالتصريح الفرنسي اشارة خطيرة.
أزمة جديدة يتغذى عليها التطرف الذي لا تنعشه سوى الأزمات.
اشارة إلى تخلف آخر. مئات السنوات الفاصلة. هناك يدافعون عن تعرية الدماغ. وهنا يخشون تعرية الرؤوس.
قابلت سياسيا فرنسيا في باريس وخلال محادثتنا عن أوضاعنا وأوضاعهم قال: منا من يتهم الشرق بالتأخر. وقد سبق وكنا مثلكم تماما بل أعقد. لكن مشكلتكم اليوم بالوقت.
لدينا كل الوقت. المهم أن نبدأ...
تخيلوا هذا المشهد...
شارع عربي تسير به امرأة شبه عارية.
مشهد آخر...
رجل يعبر عن حبه فيحتضن صديقته أو يقبل زوجته في مكان عام...
هذه مشاهد ممنوعة رسمياً في الشوارع العربية...
المشاهد المناقضة هي المسموحة... يصرخ على زوجته. يجرها خلفه. مشاعر الكراهية بين الجنسين. امرأة تخفي نفسها وعيناها تنهمان الرجال نهماً...
لقد رضخ الأجانب لقوانيننا فمنعت المشاهد الأوروبية الرومانسية وسارت نساء الغرب في بعض شوارعنا تحت العباءات.
علمانيون، لكن علمانيتهم لم تمنعهم من احترام قوانين الغير.
ونحن نريد أن نضرب بأقدامنا عرض الأرض وطولها، دون أن ينبس أحد بكلمة. نسير في دار الحرية بعباءة تغطي كل شيء وننتظر تصفيقهم.
تسأل المنقبة كيف تفعلين ذلك في بلد أوروبي بهذا الوقت الحساس... فترد:
- هكذا أفخر باسلامي أمام المسيحيين والكفار...
وماذا سيفعلون بفخرك سوى أن يعتبروه وفقا لمبادئهم أمرا ينتهك حرية النساء ولا يساوي بين الجنسين اذ يفرض على المرأة دون الرجل.
ولماذا تسافر المنقبة لأرض الكفر؟
سياحة؟ استعراض؟ أموال؟ جنسية؟ ماذا بالضبط؟
قام متطرف في ألمانيا بقتل الدكتورة المصرية مروة لأغراض عنصرية. خبر حزين كيف انتهى مصير تلك الشابة المتعلمة هذه النهاية الهزلية. بل خبر مؤلم.
لكن المتطرفين في منطقتنا لن يقصروا أيضاً تجاهنا حين نسير في الشوارع العامة بملابس لا تلائمهم... وسيصوبون نحو النساء الأذى اما بفعل رسمي مؤذ كما في بعض الدول التي تفرض حد العقوبة القانونية. واما بشكل شوارعي جارح كما في مختلف الطرقات والمنازل العربية التي تبدأ من الأذى اللفظي وتتدرج لتصل إلى حد التحرشات والاغتصاب وجرائم قتل طالت عشرات الآلاف من النساء باسم غسل العار (لأن أخته كانت ترتدي الميني جيب أو تنظر لنافذة الجيران) هل حمتنا القوانين هنا من جرائم الشرف؟ أم لأن المعــــتدي من ذات القـــبيلة تغدو الجريــــمة مباحـــة شرعاً وقانوناً؟
عموماً، سيستمر التطرف وسينتشر حتى يلتهم الجميع، ان لم يقم أصحاب العلامات والرموز بوضع حد لتصرفاتهم في البلدان الأخرى وان لم نكف عن مجاملة العلامات والرموز على حساب الأرواح والأبدان.
واذا ما علمنا أن فرنسا تمنع أيضا بقية الرموز الدينية، كارتداء القلنسوة اليهودية أو الصليب المسيحي، يغدو الأمر ليس تطرفا ضد الاسلام...
الغرب لا يناقض نفسه ولا يدعي الحريات. الغرب يطلق العنان لكرامة النساء...
يقول عميد مسجد باريس الكبير دليل بو بكر ان تصريحات ساركوزي لا تتعارض مع العلمانية الفرنسية، القانون الفرنسي يحمي حريات ارتداء الملابس في الأماكن العامة، لكن النقاب ينتهك القانون لأنه يتعارض مع المساواة.
سيقولون ان من حرية المرأة ارتداء ما شاءت. لكن مشيئتها مجمدة بأمر شاءه المتطرفون، الشيوخ، كان رجل من قال ان على المرأة ارتداء النقاب... ورجل من ألبسها النقاب.
واذا ما علمنا أيضا أن هذا الامر مختلف عليه بين شيوخ الدين ممن يؤكد وجوبه ومن يحل نزعه مثل بعض علماء الدين في مصر وسورية، فلا يعود بوسعنا اعتبار تصريحات ساركوزي اهانة للدين الاسلامي، فقد يأتي يوم يجتمع الجمهور على جواز ازاحة النقاب للضرورة مثلما اجتمعوا على اجازة المسيار والمصياف وغيرها من علاقات غير مشروعة كانت تعد زنا.
تحية لساركوزي... ولتحيا مبادئ شعب تحترم به كرامة الانسان قبل الرموز والعلامات والأقمشة والعباءات.