سرقتها الريح
بسام الطعان * - « صوت الأخدود » - 24 / 4 / 2009 م - 5:07 ص

 قصة قصيرة

حدائق نارنج, تسقسق فيها سـواقي الحب كانت لنا الدنيا يا زينب, ولكن دون سابق إنذار, وفي يوم من أجمل أيام العمر, تغيّرت الدنيا, أخذت منا ولم تعطنا, هزتنا ولم تهدهدنا, ثم حكـت لنا حكاية حزينة, وحولتنا أنت وأنا إلى مظلومين فيها, فأي منطق هذا؟

وها أنذا الآن يا زينب, أدور  مثل  يعسوب في الأزقة والحواري, في الليل والنهار, وقد مزقت  بذلتي السـوداء,  وربطة   عنقي التي كانت بالأمس زاهية الألوان, وها أنا حافي القدمين, أدور ولا  أذكر ولا أتذكـر غيرك, أمشي بخطوات مجنونة, وأحيانا أركض, أتحدث إليك والى نفســـي وخيالاتي, ولا أرد على الأفواه التي تتأسف عليك وعليَّ يا زينب.
   "اتركوه وشأنه, مصيبته كبيرة"
   "كان مهووساً بها"
   "يا له من مسكين, إلى متى سيظل على هذه الحال؟"
   "بل يا له من أبله, من أجل امرأة لا راحت ولا جاءت فعل بنفسـه ما فعل"

   آاااااه, آه يا زينب.. حلمت بك منذ سنوات طويلة , وببيت  صغير يجمعنا ولا يتسع إلا للضحك وباقات العشق وتبادل الشفتين,  كبرت وكبر حلمي في قلبي, وكنت كلما ألتقي بك, أنظر إلى جسدك المليء بالثمار الحلوة, وأرسم تفاصيله بجملة لم أعــرف غيرها:"  أحبك يا زينب".

   من بعد طول انتظار وتعب وصبر مجلجل, ركبنا السيارة المزينة بالورود والشــــرائط الملونة, لتأخذنا  إلى ليلة  العمر,  وكان العطر يفوح منا ويختلط بالشهوة والشوق نحو غرفة  نومنا التي انتقيناها معاً في صباح ربيعي بديع.

   كل الأحــبة كانوا من حولنا , وكانت الزغاريد ترتفع  في الفضاء كعصافير ملونة , وآن  احتوانا المقعد الخلفي , صـنعنا  كتائب من بهجة, وتبادلنا الهمسات وباقات القرنفل الأحمر والأبيض,  ورغما عنك وعني, تعانقت أصابعنا, لكنها  لم  تستطع  أن   تخمد  حممنا, وبقيت نظراتنا لا تفارق اللوحات الزاهية المرسومة على  وجـهينا, وتنتظــر انتهاء الســـاعات القليلة لتهرول نحو أعطاف  بيتنا, ليتم التلاقي بين قلبينا وجسدينا يا زينب.

   كم كانــت الدنيا جمـيلة ونحن في طــريقنا إلى النادي المليء بكل أصناف الفرح, كنا نمارس عشقنا, همساتنا, ابتسـاماتنا, وضحكاتنا الخافتة,  ولا ندري أننا في طريقنا نحو الهاوية يا زينب.

   على الطريق الســريعة,  وقبل  أن  نصل  إلى  البلدة بعشرة كيلو مترات أو أكثر بقليل, جفت جداول العسل على خديك.
   قلت وراحة كفك ترتاح فوق صدرك:
   ـ أشعر بوخزات حادة في صدري.
   لا أدري ماذا أصابني, غير أنني قلت:
   ـ يبدو أنها تشنجات فلا تخافي.
   ظل الألم يعشقك كما عشقتك يا زينب, فاصـفـّر وجهي, خاف كل عضو في جسدي, طلبت من السائق أن يسرع, وأسندت  رأسك إلى كتفي الأيمن:
   ـ لا تخافي يا حبيبتي, ستكونين على ما يرام.
   بعد لحظات, صار وجهك ممغنطاً بالشحوب,  سقط  رأسك  على ركبتيَّ ,  تبعثر  جمالك,  وتبعثرت  معه  رقتك  الماسية ,  شعرت بأحلامي كلها تتهاوى, خفق قلبي على نحو لم يسبق حدوثه من قبل, في لحظة مبهمة, لكنها مكثفة, رفعت رأســك, هززته برفق وحنان, ناديتك بحبي الكبير فلم أسمع غير شهقة خافتة كنداء غريق في بحر متلاطم الأمواج.

   كان السائق يطير على الطريق ولا يسـتجيب لاشارات الآخرين, وكانت نداءاتي تتوزع في حقول الحنطة, وأنت يا زينب, سافرت كغيمة  مليئة  بالمـطر  وتركت حقول قلبي كلها عطشى,  كيف استطعت أن تفعلي ذلك يا زينب؟ كيف..؟ كيف..؟

   قطعنا كل المسافات برقم قياسي, ومن خلفنا الموكب بكل سياراته وشخوصه, وأمام المشـفى, ركض الكل   باتجاهنا, وبدأت  الأفواه تتساءل بدهشة لا توصف:
   ـ ماذا حصل؟
   لأكثر من ساعة وجسدي يمتهن الهذيان, بينما الآخرون يرسمون صور الفوضى ويتلون الأسـئلة, وحين خرج إلينا الطبيب, نبتت في الصدور أشواك من نار أحرقت القلوب, وحولت   المشــفى إلى ناد للنحيب.

   كيف تجـرأت الريح  أن تسـرقك وأنت  ترتدين   ثوب الزفاف  يا زينب؟ قولي لي أرجوك, هل أحلم وأنا نائم إلى جانبك  في  سريرنا المذهب؟ أم أسير في صباح ميت مثلي مع كل أبناء البلدة في موكب عرس أردت أن يكون لك وحدك؟

   أبدا لم أرفع نظراتي عنك  وأنا أذرف الدموع ,  أكتم  صـرخاتي والألم يفتت شــراييني , وفجأة رفعت  رأسك  من  فوق الأكتاف, أرسلت نظراتك إلى الوجــوه الكثيرة, اصطدمت نظراتك بوجه أمك وهي ترفع غطاء رأسـها الأبيض, تلوح به,   تولول حيناً,  وحيناً ترشك بمواويل حزينة, فقلت وأنت تبتسمين:
"هل رأيت مثل هذا العرس من قبل يا أماه؟"
ثم أرسلت نظراتك اليَّ, ابتسمت مرة أخرى, وأشرت لي أن آتي إليك, فما كان مني إلا أن هتفت   بطيبة اسمك   وهرولت نحوك  , اقتربت منك والكل شاهد على فرحتي, لمست الصندوق الأخضر, وقلت بصوت مبحوح:
   ـ توقفوا.. أنزلوها فهي تريدني.
   أمسك بيدي أحدهم ولم يعطني مفتاحا أفتح به باب الهدوء,  أراد آخر سحقي فوق صخور لا مبالاته, رجوت الجميع أن يستجيبوا لي لكنهم لم يفعلوا, فأعلنت احتجاجي, أطلـــقت دوي انفجاراتي, وحين أبعدوني  عنهم  وتابعوا  سيرهم, جحافل  الغضب سيطرت عليَّ, فلكمت كل البرابرة  الظالمين  الذين  نصبوا  بيني  وبينك جدارا من صدور ورؤوس.
   وانفتحت الأفواه من جديد:
   "لقد جن المسكين"
   "لو كنت مكانه لأصابني ما أصابه وربما أكثر"
   "مصيبته كبيرة"
   "فعلا المصيبة كبيرة"
   "دعوه يفعل ما يريد, تابعوا سيركم"
   "مع الأيام سينساها ويتزوج غيرها"
   أنساها؟! كيف سأنساك  يا زينب؟  تابع  الموكب طريقه بهدوء, وتركني الجميع على  قارعة  الطريق,  فلم  أر  أمامي  غير الجن والعفاريت  وهي  تضحك  وتسخر  مني,  ظل  جسدي  يرتجف, وكلماتي الغريبة تطير في كل الاتجاهات,  ولا أعرف متى وكيف عدت إلى الأزقة والحواري, وكنت كلما أرى شخصاَ  أركض إليه واسأله:
   ـ هل تعرف إلى أين ذهبت زينب؟
   ـ زينب سرقتها الريح.  كنت أجيب  قبل  أن يرد,  ثم  أركض وأركض وأركض حتى التعب.

اضف هذا الموضوع الى:
كاتب وقاص من سوريا
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3315873