الرؤية الإسماعيلية للتسامح وحقوق المواطنة
علي المستنير * - « خاص: صوت الأخدود » - 1 / 5 / 2006 م - 5:54 ص

كثرت الدعوات  هذه الأيام  إلى الحوار والتسامح الديني والمذهبي وقامت معظم الدول العربية والإسلامية تتبارى في مضمار المساواة وحقوق المواطنة بغض النظر عن الفكر او الدين او المذهب وكأنه وليد هذا العصر الذي نعيشه ، ولو رجعت هذه الدول إلى التاريخ الإسلامي لما احتاجت أن تسن القوانين والأنظمة التي تحث على ذلك  التسامح الديني والمذهبي وحقوق المواطنة ، فالشواهد التاريخية موجودة والدولة الفاطمية العربية الإسلامية التي قامت في بداية القرن الرابع الهجري خير مثال يحتذي به ، وتعالوا لنقرأ ملامح من التاريخ المشرق لهذه الدولة الإسلامية التي نشرت العلم والمعرفة وثقافة التسامح الديني والمذهبي. يذكر المؤرخون المنصفون إن أئمة الدولة الفاطمية كانوا بطبيعتهم ميالون إلى جيد القول وصدق الكلام يرونه ويجلونه في نفوسهم ويبذلون كل شيئ في سبيل تشجيعه وقد قربوا العلماء وخلعوا على الأدباء وأجازوا الشعراء وكانوا موضع فخرهم واعتزازهم.
والمؤرخون المحايدون يذكرون أن الدولة الفاطمية الإسلامية أثناء نشرها العلم والمعرفة والتسامح الديني والمذهبي أقامت المكتبات الكثيرة التي كانت تجمع خزائن الكتب والتي لا تختص بفقه المذهب الإسماعيلي الفاطمي فحسب ، بل بجميع المذاهب والعلوم الإنسانية  المختلفة ، وقد بلغت ثقافة البحث والتأليف في عصر الإمام المعز لدين الله أعلى مبلغها، ونبغ في عهده علماء أفذاذ وشعراء وأدباء وشارك المعز لدين الله الفاطمي في هذه النهضة العلمية ، كما كان أبوه المنصور من قبله مشهور بسعة الإطلاع ولم تشغله مهام الدولة عن البحث والتأليف ، وقد كانت مكتبة الإمام المعز لدين الله بالمنصورية بالقاهرة تعد من أكبر الخزائن للكتب في العالم الإسلامي وقد وصفها المقريزي بأنها كانت من عجائب الدنيا وأنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم منها، حيث اشتملت على مليون وستمائة ألف كتاب في مختلف العلوم والمعارف ، وعلى الرغم أن مذهب الدولة كان هو المذهب الإسماعيلي في ذلك الوقت ، إلا أن التاريخ لم يذكر أن أئمة الدولة الفاطمية قد فرضوا اعتناقه بالقوة، مع أنهم يستطيعون ذلك، بل كان الخيار متروك لمن شاء، وقد تمتع أهل الكتاب من اليهود والنصارى بممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية، وتم مساواتهم من حيث المواطنة مع المسلمين، كما عرف عن أئمة الدولة الفاطمية
تسامحهم مع العلماء الذين لم يدخلوا في مذهبهم أو يستجيبوا لهم ، وكان هناك أعداد كثيرة من الوزراء ورؤساء الدواوين والقضاة من المنتمين للمذاهب الإسلامية المختلفة من السنة والشيعة على حد سواء ، كما تم الاستعانة بذوي الاختصاص من أهل الكتاب من النصارى واليهود في إدارة المصالح التي ليس لها علاقة بالدين أو الشريعة ، مثل الشؤون المالية والمحاسبية والتي تعتمد على التخصص والخبرة. وسوف نورد بعض الأسماء من رؤساء الدواوين والقضاة الذين لم يكونوا من أتباع المذهب الإسماعيلي. ففي عهد الإمام المستنصر بالله معد أبو تميم ، الذي يعتبر عهده أطول العهود في تاريخ الدولة الفاطمية حيث تجاوزت المدة التي قضاها في الخلافة ستين عاماً بلغ عدد الوزراء الذين عينهم أكثر من خمسين وزير، منهم 13 وزيراً من السنة نورد بعضاَ منهم، على سبيل المثال لا الحصر.
1-      صاعد بن مسعود الملقب بزين الكفاه رئيس ديوان الشام.
2-      الحسن بن علي اليازوري الملقب بغياث المسلمين أشهر وزراء القلم في المجال
الداخلي والخارجي .
3-      محمد بن جعفر المغربي رئيس ديوان الإنشاء.
4-      المشرف بن أسعد بن عقيل ( أبو المكارم ) رئيس ديوان الذخيرة. وفي عهد الإمام العزيز بالله نزار الإمام الخامس قاهر القرامطة والذي اشتهر بالعفو وتفضيله السلام على الحرب ، وكان مولع بالبناء والتشييد ، فقد بلغ التسامح الديني والمذهبي في عهده الذروة في التعامل مع غير المسلمين من أهل الكتاب ومساواتهم مع بقية المواطنين من حيث حقوق المواطنة ، حيث تم تعيين بعضاً منهم رؤساء لدواوين التخصصية التي ليس لها علاقة بأمور الدين والشرع نظراً لخبراتهم في ذلك المجال ، فقد عين يعقوب بن كلس رئيس ديوان المال ( أي وزير المالية والاقتصاد ) ، ومنحه الصلاحيات للنهوض باقتصاد البلاد نظراً لخبرته السابقة في ذلك لدى كافور الأخشيدي، وبعد وفاته عين الوزير عيسى بن نسطورس النصراني حيث ضبط الأمور المالية وجمع الأموال ووفر كثيراً من الخراج وأدار دفة
البلاد الاقتصادية بمهارة حتى تجاوزت الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها بالرغم من المجاعات في ذلك العصر.
أما في عهد الإمام الحاكم بأمر الله الخليفة والمصلح الاجتماعي الكبير فيكفي
قوله المأثور (إن كل واحد في دولتنا حر في اختبار مذهبه ، وإظهار ما في ضميره، ولا إكراه في الدين) وقد ذكر في أكثر من مصدر تاريخي أنه سمح لأتباع مذهب مالك بأن يدرسوا أصول مذهبهم في دار الحكمة ، واعتبر ذلك من مآثر الإمام الحاكم وبعد نظره ، وهذه المصادر تؤيد ما تم ذكره وكان متسامحاً مع الفرق الدينية الأخرى الإسلامية وغير الإسلامية ، وقد عين في رئاسة القضاء بمصر قاضياً سنياً هو (ابن العوام) وعندما قال بعض خاصته أنه ليس على مذهبك ولا على مذهب من سلف من آباءك ، أجاب: " يكفي أنه ثقة ومأمون ، ومصري ، وعارف بالقضاء وبأهل البلد". كما عرف عن الإمام الحاكم بأمر الله أنه أصدر تحريماً يمنع سب السلف في أي مكان جرياً على سنة آبائه الحميدة، وله مرسوماً بذلك ينص على الآتي:
بسم الله الرحمن الرحيم
" من عبد الله ووليه ( أب علي ) الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين إلى كل حاضرٍ
وبادٍ .. أما بعد :
فإن أمير المؤمنين يتلو عليكم آية من كتاب الله المبين ﴿لا إكراه في الدين مضى أمس بما فيه وجاء اليوم بما يقتضيه الصلاح ، والإصلاح بين الناس أصلح ، والفساد والإفساد بينهم مستقبح إلا من شهد الشهادتين ، أحق ألا تنفك له عروة ، ولا توهي له قوة ، يحيى على خير العمل ، يؤذن المؤذنون- ولا يؤذنون، ويخمس المخمسون، ويربع المربعون في الصلاة على الجنائز ، ولا يعترض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ، ولا يشتم السلف ، ولا يبغي الخالف على من قبله خلف ، تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم . ولا تسألون عما كانوا يعملون.
معشر المؤمنين :
نحن الأئمة وانتم الأمة عليكم أنفسكم لا يغركم من قبل إذا اهتديتم إلى الله
مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ، والحمد لله رب العالمين وصلواته على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله الأكرمين.
ومما سبق يتضح لنا أن الدولة الفاطمية سارت على قواعد ومنهاج متطور يسوده التسامح الديني والمذهبي في فكر راقي يدعو لضم الأقطار الإسلامية في دولة واحدة وإعادة مجد العرب والمسلمين إلى ما كان عليه في آخر عهد صاحب الرسالة المحمدية، ولكن العوائق برزت قاسية والعواصف هبت عاتية فأثارت النفوس وأيقظت الحروب مما جعل المنهاج يتوقف ، وتلك إرادة الله . وقد انتهت تلك الدولة سنة 576 بعد أن خلفت إرثاً حضارياً إسلامياً باقياً حتى الآن ينطق بالعظمة والمجد والخلود.
والسؤال المطروح الآن :
هل استطاعت الدول التي جاءت بعد الدولة الفاطمية وحتى الان  أن تقدم للإنسانية وللحضارة الإسلامية من التسامح الديني والمذهبي مثل ما قدمته الدولة الفاطمية ؟
سؤال مشروع لا يزال ينتظر الإجابة..

اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «10»
راكان اليامي
[1]
[ السعودية - الخبر ]: 1 / 5 / 2006 م - 10:19 م
نعم ابا رايد كانت الدوله الفاطميه من أفضل من حكم على هذه المعموره وكان بلاط الحكام لايخلوا من وجود أشخاص او موظفين ينتمون للمذاهب الأخرى , ولكن ماذا تقول لتاريخ مزور ومشوه , وأعتقد فمن وجهة نظري أن المتطرفين والمنظريين الوهابيه هم الوحيدين من شوه تاريخ الامه السابقه والحاضره , ويبقى تاريخ الدوله الفاطميه تاج على جبين كل من ينتسب لهذا المذهب الطاهر ,,, أبا رايد دائما مبدع ومتمكن من ذكر الحقائق عن تاريخ دوله عظيمه مثل الدوله الفاطمية , أستمر حفظك الله لتنوير كل من يبحث عن الحقائق وأخبرهم من هي الدوله الحقيقيه التي تقبل الأخر بعيدا عن التطرف الديني والعرقي وإن كان هناك شواذ لدينا فأعتقد كل قاعده لها شواذ وتبقى الحقيقه الناصعه لاتقبل إلا الصح والصح فقط ... شكرا أبارايد ..
سعيد ظافر علي
[2]
2 / 5 / 2006 م - 7:42 ص
الأخ حقوقي ناشط .... المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ياعزيزي هذا موضوع خاص بكتب التراث ومضى عليه الزمن ولا اعرف مجالا ولافرصة تخص بحثه هنا؟
قرأته مرة ومرتين ولا اجد شيئا مغريا لنشره. الدولة الفاطمية انتهت كما اختفى وانتهى غيرها من قبل ومن بعد. والمعول عليه في القضايا الفكرية الدينية التي يمكن ان اجد لها مكان هو فكر الواقع المعاصر مذهبيا. مثل ان تتكلم في شأن المذهب الاسماعيلي حاليا شريطة ان تكون مخولا ومؤهلا وتتحدث عن فكر وشئون واقعية.

اما التاريخ فالكل يرى ان ماضيه زاهر وناصح واصيل ولابأس فالكل يستحق الخير دون اجترار كل شيء ميت وتعميمه على واقع مختلف مغاير في هذا العصر

ثم ان هذه الصحيفه مفتوحه ولاتستحق ان يكتب فيها بلغة المنتديات والغمز والمز والتشويش كسبا لشهرة
ياسر آل غريب
[3]
[ المنطقة الشرقية - مدينة صفوى ]: 2 / 5 / 2006 م - 10:10 ص
تحيا وتلثمُ رملك الأحقابُ
ويموتُ وسطَ دمائه الإرهاب
ويغرد السلم المطرز بالصفا
وعلى الرضا تتوحد ( الأسراب )
يا موطني وهواي فيك عقيدة
فإذا هويتك مخاصا سأثاب
أصلي وأصلك من تراب واحد
فخرا إذا عشق التراب ترابُ
ها أنت في ذهني مجال تأمل
حسبي بما تتأمل الألباب
تثريك (مكة)و(المدينة)بالندى
أنهار روحانية تنساب
فالكعبة الغراء تهديك السنا
وعليك من نور النبي إهاب
والبحر والصحراء فيك تزوجا
فنما الهوى وتكاثر الإنجابُ
فإذا(الرياض)مع(القطيف)و(جدة)
نسل على صدر السنين عجابُ
وبك (النخيل) مع ( الأراك) تحاورت
وربى( الجنوب ) مع ( الشمال ) صحابُ
يا خيمة كبرى نصبناها على
شرف الوداد وكلنا أسبابُ
مشكور
[4]
2 / 5 / 2006 م - 8:33 م
كاتبنا الكبير تحياتي
اننا قوم نعلم ابناءنا على كره التوراث والتارخ ولك ان ترجع الى مقابلة المهندس الاستاذ عنقاوي لترى كم طمس من اثار الرسول صلى الله عليه وسلم واثار اصحابه واهل بيته عليهم السلام في مكة المكرمة والمدينة المنورة0 اخي الاشياء الجميلة لا أحد يجبرك عليها اما الاشياء التي لاترغب فيها واهله الديهم شك في جمالها فهي التي تجبر عليها من لديه السلطة ولكن التاريخ لايرحم من لايعلم
محمد محسن ال سليمان
[5]
[ السعوديه - نجران ]: 3 / 5 / 2006 م - 2:41 ص
لقد تعودنا منذ زمن بعيد على الغش والتدليس والتشويه بحق المذهب الاسماعيلي حاضره وماضيه وكنا نظن ان تلك الحقبة قد انتهت مع عصر الحوار والقبول بالاخر والسماح لكل مذهب ان يبين الوجه المشرق لتاريخه الذي يبنى عليه حاضره ولكننا نتفاجئ بانه لايزال بيننا امثال الاخ سعيد ظافر علي والذي يشتاط غضبا ويسوءه ان يتم تسليط الضوء على حقيقة المذهب الاسماعيلي وتسامحه . والاسماعيليه ليست فقه وعبادات فقط بل هي عقيده وفكر وعلم وحكمه وطريقة حياة لايضاح ما استغلق على النفس الانسانيه ربما عذر الاخ سعيد انه ومن يسير في فلكه يريدون ان يبقى التشويه المقصود كما يراد له من قبل اصحاب الفكر الاحادي المنغلق..سلمت يداك ابا رايد .. ومن يغيضه ذلك فماء البحر ليس ببعيد.
يحي بن حمد ال مسعد
[6]
[ السعودية - الخفجي ]: 3 / 5 / 2006 م - 7:41 ص
الاخ ابورايد ..
من الواضح ان لديه رسالة يريد ايصالها لمن يهمه الامر على الاقل فيما يتعلق بحقوق المواطنة ...هل نحلم يوما ما بان نرى اسماعيليون في المواقع العليا في الدولة اسوة بما كان يعامل به المواطنين في عهد الدولة الفاطمية التي لاتفرق بين مواطنيها بسبب الدين او المذهب..وهل سيظل بيننا مواطنون من الدرجة الثانية ومواطنون اصحاب امتيازات من الدرجة الاولى... ابو رايد لقد ناديت اذ ناديت حيا..و نحن معك لانزال ننتظر الاجابة ..
حمد
[7]
3 / 5 / 2006 م - 8:00 م
اخي ابا رائد لا احد سوف ينازعك على ما كانت عليه الدولة الفاطمية من تسامح واتساع للافق هذا امر لا مشاحة حوله ، ولكن هل نحن ابناء ذلك التراث نطبقه فيما بيننا ؟حتى نطالب الاخرين بالاخذ به سؤال تمعنه جيدا وغيرك من ينتموا الى ذلك العهد
حمد
[8]
4 / 5 / 2006 م - 2:43 ص
أخي سعيد ان التاريخ ذاكرة الأمة والأمة التي تتخلاه عن ذاكرته تعيش بلا هوية ـ انا معك انه لا يجب ان نبقى اسرى لذلك الإرث ولكن علينا إلزاما ان نستقي منه التجربة .
شكرا ابا رائد على المقالة التي تتشح بعباءة واسعة تقبل الجميع
محمد
[9]
[ القطيف ]: 4 / 5 / 2006 م - 10:52 م
جميل جداً نشكر العقيد المستنير

وربي يوفق إخواننا الغاليين وأحباب قلوبنا الإسماعيليين
hadi al-yami
[10]
[ USA - USA ]: 5 / 5 / 2006 م - 11:04 ص
سلمت يداك ابا رايد .. ومن يغيضه ذلك فماء البحر ليس ببعيد.
عقيد متقاعد وناشط حقوقي .. كاتب صوت الأخدود
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3316143