قيادة المرأة للسيارة ضرورية من واقع التجربة لا التنظير
صحيفة الوطن - 3 / 4 / 2006 م - 1:31 ص

شغل موضوع قيادة المرأة للسيارة جانباً كبيراً من اهتمام المجتمع ما بين مؤيد ومعارض، ومشجع ومحبط، ومحلل ومدقق لهذا الموضوع، وهناك من هو متشدد لدرجة القول: لماذا يطرح موضوع قيادة المرأة للسيارة؟ لا حاجة لمناقشة مثل هذه الفكرة؟ يوجد الأهم في حياتنا كي نبحث فيه خاصة في حياة المرأة غير قيادتها للسيارة.
وأريد أن أشارك الجميع رأيهم وبدون أن أطيل، فأنا من أكثر من يعانون من السائق، كيف؟
لقد شعرت بحلاوة الاعتماد على نفسي في كل شيء منذ عمر مبكر سواء في حياة والدي - رحمه الله - أو في حياتي الزوجية سابقاً. وخاصة أيام الدراسة الجامعية خارج المملكة العربية السعودية وهناك كنت أمر بكثير من ظروف الحياة مثل أن أنتقل من شقة إلى أخرى وأن أذهب للماكينة العامة لغسيل الملابس وأنقل احتياجاتي أنا وعائلتي، كل ذلك كنت أقوم به عن طريق السيارة التي أيضاً ساعدتني على إيصال ابني وعلى أن أذهب إلى الجامعة حيث كنت أدرس.. كنت أقضي جميع أمور حياتي بنفسي عن طريق قيادتي للسيارة فكنت دوماً أعتمد على نفسي لأن الزوج آنذاك يحتج بانشغاله بدراسته وواجباته.
وبعد عودتنا إلى أرض الوطن، وبعد فترة من الانتظام في توصيلنا إلى المدارس أو العمل بدأ الملل، وتواجدت بعض الإشكاليات حول المشاوير، فتارة ليس هناك داع للخروج، وأخرى خذي تاكسي واخرجي، ثم تطور الأمر إلى تفاوضات في الخروج فحيناً: بعد كم دقيقة أعود لآخذك؟ وحينا آخر: يجب أن تكوني جاهزة حين أعود لآخذك من مشوارك.. إلخ.. إلخ..
بعد حياة زوجية طويلة لم تستمر، وبعد أن أصبح لدي أبناء في المرحلتين الجامعية والثانوية كثرت المسؤوليات والمتاعب خاصة أن الأهل يعيشون في غرب المملكة العربية السعودية. وبالنسبة للأب فهو منفصل عن أبنائه ولا يوجد مع أبنائي سواي وقد توجب علي الصرف عليهم والاهتمام بأمورهم والاهتمام بمدارسهم ومعيشتهم ومراقبتهم وملاحظتهم وفوق كل هذا تربيتهم، وأكرر أن التربية هي الأهم في هذه الفترة الحرجة من العمر.
مع كل هذه الظروف أصبح "الليموزين" هو الأب والعم والخال في آن واحد بالنسبة لمهام المشاوير والتوصيل لأي مكان كان، فملاحظة المراهق وأماكن تواجده وإجراءات تسجيل الابن الأكبر في الجامعة والجري وراء متطلبات الحياة الضرورية كل ذلك كان يتم بواسطة الأب الحديدي (الليموزين) وللأسف لم يقبل الابن في الجامعة وبدأت مشاوير جديدة ومتكررة إلى معهد الإدارة لقبول الابن، وبعد سنة ونصف تخرج الابن الذي يبحث بعدة مشاوير عن الكلية التي تناسبه فلم يتم له ذلك ليقرر الدراسة في أمريكا ليترك الأم تصارع الحياة من جديد مع الليموزين ومن حول الليموزين من ضعاف النفوس.
أدت احتياجات الحياة المختلفة إلى حل كان هو الأقرب وهذا الحل هو شراء سيارة وتوفير سائق خاص، ثم بدأ المشوار القاسي مع قضية شراء السيارة لأني الوحيدة في الرياض من أخواتي وإخواني دون أهلي الذين أسلفت بأنهم يعيشون غرب المملكة، وطرح السؤال المشكل: أين المحرم؟
الحاصل أنا التي سوف أدفع، وأنا التي أقسط، وورقة المحرم التي أرسلت بالفاكس سهلت علي شراء السيارة، من يقود السيارة؟ هو السائق لأن الابن الأكبر يدرس خارج البلاد والابن الأصغر في سن مراهقة متعبة وابنتي شقيقتهما يجب أن تذهب إلى الجامعة، وأنا الأم يجب أن أذهب إلى عملي كي أغطي أقساط السيارة والمدرسة وقرض المنزل واحتياجات أولادي ومصاريف منزلي، لذا بدأت البحث عن سائق يقلني أنا وأبنائي إلى مشاويرنا، وجاء السائق الأول ثم الثاني ثم الثالث والرابع والعاشر... والسابع عشر أقسم بالله سبعة عشر سائقا تواجدوا عندي في ظرف سنتين ثم لم يوجدوا وعدت إلى الأب الحديدي، (الليموزين) وقد تتساءلون لماذا سبعة عشر سائقا لم تتفقي معهم خلال سنتين؟ وجوابي يتلخص في عدة أسباب قد تكون عادية للقارئ الذي لم يجرب مرارة وعناء مسؤولية كاملة تجاه المنزل لكنها وبكل تأكيد أسباب كفيلة بالإرهاق لمن تعايش معها وجربها بعناء ومشقة، من هذه الأسباب: أن السائق يدعي تغيير الزيت وبعد كل نصف ساعة يحاول إقناعي بأنه خرج في مشوار لتغيير زيت السيارة ومنها أنه يصر على عدم وجودي معه عندما يذهب لإحضار بنتي من جامعتها حتى تتسنى له الاستفادة من بنزيني وسيارتي وأقساطها بعمل مشاوير تدر على جيبه الخاص مبالغ طائلة كلها من وراء تعبي، وتأخر ابنتي في وصولها للمنزل بعد أن تتأخر هي في جامعتها بسبب انشغاله بأعماله الخاصة في الإيصال والتوصيل، كما أن أقوى الأسباب التي دعتني للاستغناء عن السائق إهماله أثناء القيادة، فكان بعض السائقين يسرعون سرعة جنونية في زحمة الصباح أثناء ذهاب الطلاب إلى مدارسهم دون أن يهتم لما سوف يحدث من كارثة أثناء مغامراته الصباحية اليومية ودون أن يستمع لأوامري أو نصائحي التي لا يأخذها في الحسبان، ففي بعض المرات كانت لا تحلو له الاتصالات إلا على الخط السريع عندما يمسك المقود بيد والهاتف بيد وعند تنبيهه يرد بكل قناعة أن عليه أن يطمئن صديقه عليه حتى لا يصيبه القلق، وكان عقابي منه عبارته (مدام أنا ما في شغل عند إنت)، كما أن بعض السائقين كان يحتج على أخذي لمفتاح السيارة منه وسبب احتفاظي بالمفتاح بعد المشوار كان وجيها جدا، لأنه كان يعبث هو ورفاقه بالسيارة عبثا يستحيل أن تستخدم المقاعد الأمامية معه رغم أنها كانت السيارة الثالثة بالتقسيط، وفي مرة من المرات فوجئت في الصباح بأن السائق يرفض توصيلي أنا وأبنائي ويخبرني بأنه لن يشتغل عندي ولن يوصلني هذا الصباح وكان الوقت حرجا أمامي فولدي عنده اختبار وأنا لدي أوراق مهمة جدا للعمل يجب أن أسلمها في وقتها وفي تلك اللحظة الصعبة لم أجد حلا سريعا إلا أن أتصل بالأب الحديدي الشهم الذي يعتبر منقذا لي ولغيري وقد كان هذا الأب الحديدي على أهبة الاستعداد لخدمتي وخدمة الكثيرات ممن يماثلنني ظروفا فأنقذني من أزمتي في ذلك الصباح الحرج.
مشكلتي مع السائق أنه كان يهدم كل ما بنيته في سنين هنا أتحدث عن نفسي ولا أقصد أي أحد ولكن هي تجربتي بحذافيرها.
لو فرضنا هذا الفرض: أن آخذ أنا ابني إلى مدرسته وآخذ ابنتي إلى جامعتها وأذهب إلى عملي في الصباح ثم أعود ومعي أبنائي وفي طريق العودة لو أخذت معي متطلباتنا من السوبر ماركت ووصلنا إلى المنزل واسترحت بعد دوامي الصباحي، وفي العصر أخذت بنتي إلى المركز التدريبي الذي تتدرب وتتعلم فيه، ولو ذهبت أنا في تلك الفترة إلى عملي في الإذاعة ومارست هوايتي ثم أعود لاصطحاب ابنتي معي إلى البيت وفي الطريق أتصل بابني أسأله ماذا أحضر له وماذا يحتاج قبل أن أصل للبيت ثم أعود للمنزل وأغلقه علينا ونسترخي ونستقر ونشعر بالراحة، طبعا لدي في الواقع بعيدا عن الفرض مشاوير ضرورية جدا أضطر لها وأجد صعوبة في أدائها مثل مراجعة المستشفى وزيارة الأقارب والأصدقاء لذا أرى أن قيادة المرأة للسيارة ضرورية لمن أرادت أن تحمي نفسها وأبناءها من الاستغلال في حالها ومالها ولمن أرادت أن تبتعد عن المشاكل والقلق لأنه للأسف لا يوجد من يضرب على صدره ويقوم بهذه الواجبات لمن كانت بمثل ظروفي لأن الأب تخلى والخال والعم كل يلهو بما يشغله من مشاغل، مثلي وغيري كثيرات هن في مسلسل طويل الأحداث مع السائق والليموزين.
أنا أم وموظفة ولدي مسؤوليات تتعلق بمهنتي وبأعمالي الأخرى كما أني مربية لجيل أصبح الآن على وشك الزواج ولا أريد من هذه الدنيا سوى الاطمئنان وعدم هدر مال تعبت في جنيه ودفعت الثمن من أعصابي وأحيانا صحتي ولا أريد الجري وراء الدنيا وما فيها بل العمل، أما الأجر فهو في الآخرة.

وفاء بكر يونس

اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «1»
عاشر اصيل
[1]
[ الامارات العربيه المتحده - الشارقه ]: 7 / 4 / 2006 م - 2:43 ص
كلام واقعي ومنطقي جدا

وهناك ماهو اخطر بكثير من ذلك لم تتطرق له الاخت في مقالها وهو استغلال السائق للاولاد جنسياً

اشكر لها جرأتها في طرح الموضوع

وتقبلوا تحياتي
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3327413