سلامات نجران.. سلامات يا وطن
حمود أبو طالب * - « صحيفة عكاظ » - 28 / 10 / 2015 م - 1:02 م
كان الاتجاه هذه المرة جنوبا، إلى نجران العزيزة التي تقف سدا وطنيا عاليا منيعا استعصى على كل الذين حاولوا القفز عليه أو فتح ثغرات فيه لعبور الفتنة إلى شرايين الوطن. اللعبة أصبحت واضحة جدا والاستماتة من أجل تحقيق أي نجاح من خلالها صارت مكشوفة، والحنق الذي أصاب من يمسكون بخيوط اللعبة نتيجة فشلهم في اختراق المجتمع يجعلهم يتصرفون كالمجانين ويلقون بمزيد من الحطب في محرقة العبث الذي لم تشهد البشرية مثله حتى في أسوأ مراحل انحطاطها.
تمنطق «أبو إسحاق الحجازي» حزامه الناسف وترك رسالة لأهله في سيارته ودخل المسجد مع صوت التهليل والتكبير ليحصد أكبر عدد من الأرواح البريئة الماثلة بين يدي ربها، لكن الله سخر شيخا جليلا قدم ثمانين عمره كي يقلل من حجم المأساة، أي مفارقة صادمة ومريرة تلك عندما لم يرتدع ذلك الفتى وهو يرى تلك اللحية البيضاء التي تزين رجلا في عمر جده أو أكبر، إنه الفيروس الخبيث الذي نهش عقله بعد أن تم حقنه به في معامل التكفير وجعله مستعدا لتنفيذ المهمة المقدسة التي نسجتها له شياطين استثنائية في جرمها. فجر نفسه وقتل ذلك الشيخ وأصاب من أصاب، ليخرج بعد ذلك بيان داعشي ممهور باسم «ولاية الحجاز» يثني على فعلة الشاب الضحية الذي تحول إلى أشلاء ويتوعد بالمزيد.
لقد سقط الرهان الإرهابي كثيرا بعد حوادث القطيف والأحساء، كان أقرب إلى اليقين بأنه سيحدث شرخا عميقا وجرحا غائرا مليئا بالجراثيم التي تسمم أنسجة الوطن وتتلفها، لكنه رأى العكس، رأى أنه لم تزدنا جرائمه النكراء إلا التحاما وتماسكا فجن جنونه وبدأ يتخبط هنا وهناك، يناور تارة بقتل الابن لأبيه أو الأخ لأخيه في تصعيد إجرامي بشع لإشاعة الرعب، ثم يعود مرة أخرى لعرض حلقة كلاسيكية باستهداف أحد المساجد لهذه الطائفة أو تلك كما حدث في نجران، لتكون ردة فعل المجتمع رادعة ومخرسة لكل من خطط وساعد وتعاطف وتربص وانتظر وراهن. ولن تكون هذه الحادثة الأخيرة لأن معامل التجهيز ما زالت نشطة لكنها ستتوقف في يوم ما.
ستتوقف عندما يصبح الوطن قيمة عليا مقدسة غير مسموح لأحد أبدا المساس قولا أو فعلا بأي مكون من مكوناتها بقوة القانون وصرامته. ستتوقف عندما يكون القصاص للوطن أهم وأشد وأوجب من تغليب حسن الظن بالمجرمين والقتلة. ستتوقف عندما تكون المسطرة واحدة وواضحة. ستتوقف عندما نمد أيدينا إلى الجذور الخبيثة وننتزعها من تربة الوطن.
سلامات نجران.. سلامات يا وطن، ولك المجد.
اضف هذا الموضوع الى:
كاتب سعودي
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3326683