معازف سلطان البازعي
حمود أبو طالب * - « صحيفة عكاظ » - 13 / 9 / 2015 م - 12:15 ص
في سنتنا الجامعية الأولى في الرياض سكنت في عمارة استأجرتها الجامعة للطلاب قريبة جدا من فلة مؤجرة على جمعية الثقافة والفنون، وعندما تكون هناك فرصة كنت أذهب مع بعض الزملاء إلى مبنى الجمعية لنستمع إلى الشباب الذين يتدربون على الآلات الموسيقية ونستمتع بعزفهم وعزف مدربيهم. كان المكان منبعا للبهجة والفن والمتعة، وبعد فترة فوجئنا بأن المكان تخيم فيه الكآبة والصمت لأن دروس تعليم الموسيقى توقفت. وفي تلك الفترة كانت الرياض تستضيف أسابيع فنية وثقافية من الدول العربية، وما زلت أتذكر ليالي الأسبوع المغربي والجزائري التي استمتعنا فيها بالطرب والفنون الشعبية الجميلة على مسرح قاعة المؤتمرات في المعذر وفي أماكن أخرى. كذلك توقفت فجأة تلك الأسابيع التي كانت تستضيفها جمعية الثقافة والفنون، وبدأت الجمعية نفسها في الانحسار والإنزواء والجفاف كضحية من ضمن الضحايا بعد أن أصبح الفن محظورا والموسيقى حراما وحتى الثقافة بمفهومها الحقيقي حوصرت وفرغت من معانيها.
تلك هي المرحلة التي انطلق فيها وحش التشدد مكتسحا كل شيء دون هوادة ودون فرز أو تمييز، لتتحول الحياة إلى جفاف وقسوة وغلظة في كل شيء، حصار نفسي مزعج حول الشباب إلى كائنات ضائعة ليس أمامها غير طريق واحد هو طريق التشدد والتحريم العشوائي لكل شيء، لتنتهي الأمور لاحقا إلى ما وصلنا إليه بفضل تلك المرحلة التأسيسية. وفي الفترة الأخيرة بدأ المجتمع يستشعر غربته عن الحياة الطبيعية ويحاول استرجاعها، لكن معاقل التشدد ما زالت مصرة على محاربة كل شي طبيعي وفطري، مستخدمة أسلوبها المعتاد في التهييج والصراخ والتضخيم والتهويل والاستعداء.
أخونا العزيز الأستاذ سلطان البازعي رئيس جمعية الثقافة والفنون يحاول منذ توليه مسؤوليتها إعادة بعض الحياة لها رغم شح الإمكانات وصعوبة الظروف، ومؤخرا صرحت الجمعية عن إقامة دورات للشباب في المقامات الموسيقية ليتفجر الموقف سريعا عبر مواقع التواصل بنداءات صاخبة غاضبة لمنع هذه الدورات وكأنه سيستضيف أوبرا نيويورك أو فيينا لتصدح كل ليلة لدينا، أو كأن كل شباب الوطن سيتركون كل شيء ويتحولون إلى عازفين، وليس لأن الجمعية تحاول تنمية وصقل موهبة بعض الهواة لا أكثر. انتشر الخبر في وسائل الإعلام وأصبح الأستاذ سلطان مضطرا للتوضيح في الفضائيات وكأنه متهم بخطيئة كبرى.
إننا بمثل هذا الجدل العقيم ندور في حلقة مفرغة وتافهة لأنه جدل حول أشياء تمارسها كل مجتمعات العالم إلا نحن. جدل مضحك ومحزن جعل العالم يضحك علينا ونحن لا نملك غير الحزن على حالنا.
اضف هذا الموضوع الى:
كاتب سعودي
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3335201