الوحدة الوطنية والفتنة الطائفية

أخطر ما يتهدد أي تجمع إنساني هو استشراء النزاع بين مكوناته الأساسية. هو خطر يستشعره الإنسان بداهة، بل ويستشعره الحيوان في أنواعه العليا بغريزته التي تجعله يتحرك بمجموعات/ وَحدات قطيعية متكاتفة، وفي فضاءات جغرافية محددة، تضمن له الأمان، أو – على الأقل - الحد الأدنى من الأمان. أي تفكك أو تهتّك يُصيب هذه الوحدات المتضامنة – فضلاً عن النزاع الاحترابي بين مكوناتها – يُعرّض الوجود من أساسه للخطر؛ حتى في ظل غياب الخطر الخارجي؛ فكيف إذا حدث هذا التفكك أو النزاع في ظل التجاذبات التنافسية الكبرى التي تسعى لالتهام كل ما يقف في طريق أهدافها التوسعية؛ حتى لو أدى ذلك إلى إلغاء مجتمعات كاملة من الوجود؟!

منذ أقدم العصور، والإنسان يحقق أمانه عن طريق الاتحاد والتضامن في وحدات أو أحلاف تجمعها هوية واحدة، أو مصالح مشتركة. تحقق هذا الاتحاد التضامني تاريخياً عبر وسائل متعددة؛ تبعا للمعطيات والواقعية والظروف المصاحبة. أحياناً، كان مصدر هذا الاتحاد: الاتكاء على المشترك الجغرافي، وفي أحايين أخرى، كان المصدر: الاتكاء على المشترك العرقي أو المشترك العقائدي. وفي العصر الحديث كان للمشترك الاقتصادي دور محوري في هذا المضمار؛ حتى وإن لم يطغَ على بقية المشتركات التي بقيت ضامنة لكثير من الوحدات الوطنية الكبرى.

منذ أقدم العصور، والإنسان يحقق أمانه عن طريق الاتحاد والتضامن في وحدات أو أحلاف تجمعها هوية واحدة، أو مصالح مشتركة. تحقق هذا الاتحاد التضامني تاريخياً عبر وسائل متعددة؛ تبعاً للمعطيات والواقعية والظروف المصاحبة

إن الإنسان، عبر تاريخه الطويل، وعى أهمية تأسيس الكيانات الضامنة للاتحاد بين مكونات اجتماعية لا يمكن أن تتحقق مصالحها - على نحو أمثل - إلا من خلالها. كل صور البطولات والتضحيات الكبرى التي قرأنا عنها وسمعنا بها، إنما كانت دماء وأرواحاً تُسترخص في سبيل هذه الكيانات التي آمن أبناؤها أن بقاءها كحاضنة اجتماعية أهم من بقائهم كأفراد؛ لأنهم يعون أن وجودهم الفردي عندما يتلاشى في سبيل حفظها ككيانات واتحادات، فإنما يتلاشى ليضمن بقاء الجماعة بكل ما تزخر به من عناصر البقاء والنماء، وليوفر لها أعلى درجات الفاعلية الإنسانية – مادياً ومعنوياً -، وليعزز دورها في مسارات تحقق الحضور الإنساني في التاريخ.

لهذا كانت الكيانات الوحدوية/ الوطنية غالية على أصحابها؛ لأنهم يعرفون الثمن الذي دفعوه سلفاً لتحقيقها، أو الثمن الذي كانوا سيدفعونه لو لم تتحقق. إنهم حتى وإن لم يعرفوا ثمن التضحيات التي دُفعت - أو كانت ستدفع لتحقيق النموذج نفسه - يعرفون ثمن هذه الكيانات في السوق الاجتماعي/ السياسي. أي يعرفون أن إنشاء كيانات مماثلة، تتحلى بذات المواصفات التوافقية، أو بما هو قريب منها، له أكلاف بشرية ومادية ومعنوية باهظة، يرتفع على أساسها التقدير الاعتباري للوطن المتوحد؛ ليدخل في باب الرمزيات المتعالية التي يصعب إخضاعها لمنطق المعطيات المادية، فيصبح الوطن بذاته وُجوداً تتمفصل عليه حقائق الوجود الفردي، فضلاً عن الوجود الاجتماعي الذي لا يتحقق اكتماله إلا بالاربتاط العضوي بالكيان الوطني/ السياسي.

حسناً، إذا كان الأمر كذلك، أي إذا كانت الوحدة الوطنية على هذا المستوى من الأهمية لكل فرد من أفراد المجتمع الوطني، ولكل مُكوّن من مكوناته؛ فلماذا يُوجد دائماً، وفي كل مكان، مُحرّضون ومُخرّبون يسعون لتفتيت هذه الوحدة بشكل مباشر أو غير مباشر، بوعي أو بلا وعي؟. أقصد: هل المُحرّض المُخرّب الذي يتسبب في إشعال فتيل النزاعات البَيْنية يفعل ذلك عبثاً، أم بدافع إجرامي خاص (= جناية فردية أو شبه فردية)؟، أم هو فاعل يعي أبعاد سلوكه على المجتمع الذي ينتمي إليه، وبالتالي يعي أنه سيتضرر بما يقع فيه من تفرق ونزاع قد يصل درجة الاحتراب؟

الواقع أن المُحرّض بدافع إجرامي خاص يكاد يكون معدوماً في سياق الأعمال التي تُعرّض التضامن الاجتماعي للخطر. المُجرم الذي يصدر عن دافع خاص، يرتكب جريمته دونما اشتباك – إيجابي أو سلبي - مع علائق المجتمع. ومن ثم، فهو لا يدفع هذه العلائق في أي اتجاه. إن هذا هو السبب في أن الجريمة الجنائية الفردية كانت، ولا تزال، وستظل ظاهرة اجتماعية، ترافق الاجتماع الإنساني، وبدوره يسعى المجتمع للحد منها؛ دون أن يعني ذلك إمكانية القضاء عليها بالكامل، لا لكون هذا هدفاً مستحيلاً فحسب، وإنما لكونها جرائم معزولة، تصدر عن غرائز طبيعية أو شبه طبيعية، على نحو تلقائي. وهي بلا شك جرائم تهدد الأمن، لكنها لا تهدد الوحدة الاجتماعية، بل قد تزيد من تماسكها؛ لأن المجتمع بأكمله سيخوض – عبر أجهزته الأمنية والثقافية، فضلاً عن النظام الأخلاقي – حرباً ضدها؛ فتصبح هي – كظاهرة إجرامية – خروجاً على المجتمع ككل، وبالتالي، ستظهر في مواجهة المجتمع المتوحد ضدها. وهذا واقع يختلف عن واقع الجرائم ذات الطابع الطائفي المرتبطة بتبريرات إيديولوجية، فهذه خطر على المجتمع؛ لأنها قد تتسبب في تحويل المجتمع الواحد إلى فصائل متناحرة، كلٌّ منها يُشرعن وجوده على ضوء مُنجزاته في تدمير وسحق بقية الفرقاء الاجتماعيين.

إن خطورة الجريمة ذات المنحى الطائفي أنها تتضمن أبعاداً تتجاوز وقائعها العينية/ المباشرة. إنها جريمة تنتمي إلى خطاب يُحرّض عليها ويشرعنها، ومن ثم يمنحها بعدين: بُعداً تاريخياً، أي يكفل لها الاستمرار/ البقاء؛ حتى مع فناء الكوادر وتلاشي التنظيم، وبُعداً اجتماعياً أفقياً، يكفل لها التمدد والتوسع، عن طريق انضمام كثير من الأفراد إليها بمجرد الاقتناع بشرعية الخطاب.

إن كون الجريمة الطائفية تنتمي إلى خطاب يشرعنها، ويحرض عليها، يعني – بالضرورة - أنها تنتمي إلى فصيل اجتماعي/ ديني يقف خلف هذا الخطاب، ويرى في تمدده تحقيقاً لأهداف كبرى، أهداف يُقدّم في سبيلها كل التضحيات الممكنة، والتي قد تصل في كثير من الأحيان إلى أن يُقدّم التيارُ/ الفصيلُ بعضَ أفراده قرابين متفجرة، تتناثر أشلاؤهم مختلطة بأشلاء ضحاياهم الأبرياء.

ومع كل هذا، يبقى السؤال الأهم ماثلاً: لماذا يُوجد دائماً، وفي كل مكان، مُحرّضون ومُخرّبون يسعون لتفتيت هذه الوحدة، ولإدخال المجتمع في صراع داخلي مع بعضه البعض، خاصة وأن المحرض/ المخرب قد يكون منتمياً إلى أحد فصائل المجتمع المستهدف؟.

الإجابة على هذا السؤال تكمن في طبيعة/ نوعيات المحرضين، فهوية المحرضين هي التي تحدد أهدافهم من وراء التحريض. وهنا لا بد أن نؤكد على وجود مُحرّضين يُضمرون عداء متأصلاً للوطن، للوطن بكيانه السياسي، وبكل وحداته الاجتماعية، ويسعون – بكل وسيلة – إلى إحراق الوطن بكل ما فيه وبكل مَن فيه. هذا هو هدفهم الأخير. وهؤلاء قد ينتمون للخارج، ممن لهم مصلحة في تدمير الوطن. وقد يكونون ثلة من الموتورين في الداخل، حاقدين على الجميع، ويريدون أن يقع سقف الوطن على رؤوس الجميع.

أياً كان هذا الأمر، فهؤلاء أقل من القليل، وخطرهم هيّن؛ لأنه بيّن. ولهذا لا يستجيب لهم ولتحريضهم العدمي إلا المجانين وأشباه المجانين. أما الخطر الحقيقي فهو في النوع الثاني من المُحرضين، إنهم أولئك الذين يضمرون عداء مسعوراً لبعض شرائح المجتمع المتوحد، في مقابل التظاهر بالدفاع عن شرائح أخرى، مُوهمين أن مصلحة هؤلاء لا تتم إلا بتصفية وجود هؤلاء. وهم – أي المحرضون - يتوسلون في هذا التحريض خطابَ العقيدة وخطاب التاريخ، مستثمرين مقولات التكفير والكراهية في مساحات الغباء التي يتوفر عليها الفصيل الاجتماعي الذي ينتمون إليه.

إن هؤلاء يُوهمون فصيلهم الاجتماعي الذي ينتمون إليه أنهم ينتصرون له من أعدائه التاريخيين، أنهم يثأرون له من خُصمائه العقائديين، من أعداء الدنيا والدين، من المتربصين المستترين - كما يقولون-. هكذا يُفكّرون، وبمثل هذه الرؤى الاحترابية العدوانية يتصدّرون كوُعّاظ وناصحين. وتكون النتيجة الكارثية - بعدما يقتنع المغفلون بمثل هذا الهراء الطائفي - أن يتحول الشريك الوطني الذي هو مصدر أمان بتضامنه، إلى مصدر خطر؛ بعدما جرى تحويله في المخيال العام إلى عدو أزلي وأبدي، إلى عدو كان معادياً، ولا يزال معادياً، وسيظل معادياً. كل هذا؛ دون أن يكون هذا العدو المزعوم مُداناً بجريمة طائفية واحدة طوال تاريخ الشراكة الاجتماعية الوطنية. فالعداوة التي يجري تأجيجها بتحريض هؤلاء لا تستند على وقائع حقيقية، إذ كل اعتمادها على توهمات مستمدة من مقولات تائه في دهاليز بعض الكتب الصفراء المتوارثة عند هؤلاء وهؤلاء.

إن هذا الفصيل الذي يتحدث بلسان الدين والعقيدة، ويعمد جاهداً إلى بث الرؤى التضليلية والتكفيرية لكل من يُخالفه في مجتمعه، يعي الأثر المدمر لسلوكه هذا، يعي أنه مسعر حرب أهلية، ولكنه سعيد بدوره القذر، بل هو يسعى لتعميقه، ويقيس نجاحه بمدى تنامي الكراهية للطرف الآخر، وبما ينتج عن هذه الكراهية من اعتداءات آثمة. إنه يرى أن صفاءه العقدي لا يتحقق إلا بمثل هذه الكراهية الملتهبة، وبمثل هذا العدوان الصارخ على الشريك الوطني. إن هذا الفصيل هو الأخطر؛ لأنه هو الذي يشطر المجتمع، ويضع بعضه في صراع مكتوم أو صريح مع بعضه الآخر؛ مما ينذر بمتتاليات عدوانية لا يعرف مداها إلا الله.

بين الفصيل الأول والفصيل الثاني، يبقى هناك فصيل ثالث، أكثر من الأول، وأقل من الثاني، وهو يشبه الفصيل الثاني من حيث تبنيه لمقولات التكفير والكراهية، ومن حيث تصديرها للمجتمع. لكنه يختلف عنه في كونه لا يعمد قاصداً إلى تفجير الصراع، بل هو يفعل ما يفعل بغباء فطري يحجب عنه أثر فعله، فيصبح كمن يلهو بالنار. إنه يعتقد – لفرط سذاجته – أن ترويجه لتُهم التكفير لن يتعدى أثره مظاهر الكراهية البَيْنية التي يبتهج باستشرائها. وهو يظن أن هذه الكراهية لن تحدث صراعاً، ولن تضر بالوطن ككل، بل أقصى ما يتوقعه أن تطال آثارُ هذه الكراهية الطرفَ الآخر، وهو ضرر لا يتوقع هذا المُحرّض الغبي أن يكون له انعكاساته على المشترك الوطني العام.

أخيراً، لا منجاة من كل هذا إلا بسن قانون صارم يُجرّم الكراهية، ويُلجم غُلواءَ المكفراتية، أولئك الذين جعلوا من صغار الشباب اليوم قنابل تكفيرية، بحيث باتوا يُلقون بالتهم التكفيرية والتخوينية على شركائهم في الوطن، وكأنهم يتبادلون النكات أو طرائف المواقف. حتما، لن تجدي المقالات البكائية التي ترثي الأبرياء بعد كل حادثة؛ فتستدرّ الدموع وتُلهب العواطف، ولن يتوقف التكفيريون، ومُروجو خطاب الكراهية، والمستثمرون في الصراعات المذهبية؛ بمجرد تنبيههم إلى خطورة ما يفعلون. لن نحمي وطننا من هؤلاء بالدموع، ولا بتذكيرهم بحُرمة الدماء، ولا بلفت أنظارهم إلى أهمية الأوطان وخطورة اللعب بتماسكها الداخلي، لن نحمي وطننا إلا بقانون يضع المكفراتي المُروّج للكراهية على قائمة كبار المجرمين/ الإرهابيين.

اضف هذا الموضوع الى:
كاتب سعودي
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3336168