التعصب هو الأصل والتسامح هو الاستثناء!!
يوسف أبا الخيل * - « صحيفة الرياض » - 19 / 5 / 2015 م - 7:10 م

ثمة حقيقة سوسيوتاريخية وهي أن التعصب هو الأصل في حياة الإنسان، أما التسامح والانفكاك من أسر التعصب فهو الاستثناء.

وتعظم مصيبة التعصب إذا كان يمت بصلة إلى الأديان و/أو المذاهب، إذ أثبت تاريخ الصراعات الدينية أن التعصب للدين أو للمذهب، يحول الإنسان إلى وحش سادي لا يتلذذ لشيء مثلما يتلذذ لمناظر دماء من يخالفونه في الدين أو في المذهب، وحز رؤوسهم، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف!

ومما أثبته تاريخ الصراعات الدينية أيضاً أن التعصب والكره والحقد الذي تمتلئ به صدور المتعصبين لمن يخالفونهم مذهبياً من داخل الدين الواحد، أكثر وأنكى مما هو عليه بين المختلفين في الأديان.

إن الانفكاك من أسر التعصب لا يحصل بالمواعظ المجردة، والتي تدعو الإنسان إلى أن يتسامح مع أخيه المختلف معه هكذا بجرة قلم، بل لابد لإحلال التسامح من تفكيك البنية الفكرية التي أسست نسقاً ثقافياً يدفع الإنسان (لا شعورياً) نحو قيم التعصب

ولقد يجدر بالراصد لحمم الطائفية وهي تتبوأ مقام رأس السنام في العالمين العربي والإسلامي اليوم، أن يدرك أن الانفكاك من أسر التعصب لا يحصل بالمواعظ المجردة، والتي تدعو الإنسان إلى أن يتسامح مع أخيه المختلف معه هكذا بجرة قلم، بل لابد لإحلال التسامح من تفكيك البنية الفكرية التي أسست نسقاً ثقافياً يدفع الإنسان (لا شعورياً) نحو قيم التعصب، التي تشكلت في (اللاشعور الجمعي)، فأصبحت تقود سلوك الإنسان بشكل تلقائي لا يؤثر فيه نزو واعظ على منبر، أو على قناة فضائية، ليعظ الناس ويمنيهم بفضائل التسامح.

هذا الأمر، أعني أولية التعصب وكونه الأصل في حياة الإنسان، مما قطع به علماء الاجتماع والتاريخ. يقول(جاك لوغوف)، وهو أحد أبرز مؤرخي العصور الوسطى الأوروبية، بعد أن سبر أغوار الصراع المذهبي المرعب بين الكاثوليك والبروتستانت، "إن التعصب هو الموقف الطبيعي للإنسان، وأما التسامح فشيء مكتسب لا يُحصَل عليه إلا بعد تثقيف وتعليم وجهد هائل تقوم بها الذات على نفسها. ذلك أن الشيء الطبيعي هو أن أحب أبناء ديني أو مذهبي أو طائفتي، أو حتى قبيلتي وعشيرتي على المستوى العرقي، وأن أكره كل من عداهم. وبالتالي فلا ينبغي أن نزاود على بعضنا البعض فنقول: نحن متسامحون، لكن الآخرين هم المتعصبون. ولا ينبغي أن نلقي مواعظ أخلاقية في التسامح، ونتحدث عن فضائله ومزاياه ونقول: انتهى الأمر.فالمواعظ لا تَحُل المشكلة، إنما تحلها المصارحة الفكرية، وترسيخ مفهوم المساواة بين جميع المواطنين. هذا هو التسامح الفعلي الذي ينبغي أن يسبقه تفكيك فكر التعصب لكي يظهر عارياً على حقيقته، ويفقد مشروعيته، وهذا ما فعله فلاسفة التنوير الأوروبي".

أما الفيلسوف الفرنسي (بول ريكور)، فيذهب إلى أن" كل شخص أو فئة أو جماعة تحب أن تفرض عقائدها وقناعاتها على الآخرين. وهي تفعل ذلك عادة إذا ما امتلكت القوة أو السلطة الضرورية. والتعصب يبدأ عادة بتسفيه واحتقار عقائد وقناعات الآخرين، ومن ثم منعهم من التعبير عنها بالقوة".

يظن المتعصبون، كما جاء في مبحث (سيكولوجية التعصب)، والذي ترجمه الدكتور (خليل أحمد خليل، أستاذ اجتماعيات المعرفة بالجامعة اللبنانية)، "من خلال توهمهم باكتشاف المطلق وما فوق البشري، أنهم أمسكوا بالحقيقة التي تمنحهم كل العلم والقوة والسلطان والعصمة، وكل أشكال التفوق على البشر. إنهم يتراجعون إلى مرحلة القدرة الكلية الطفلية التي تتضمن تحقيق الرغبة على حساب الواقع الذي يجري إدراكه بالمعارف وبحدود الإمكانات الإنسانية. ويترافق الشعور بالقدرة الكلية مع حماس نرجسي، وتمجيد لفكرة الانتماء إلى جماعة اصطفاهم الأزل أو التاريخ. إن المنظومة الهذيانية/الذهانية التي تتخذ من الثنائيات الحدية: الصواب/الخطأ، الأبيض/الأسود، الصديق/العدو منطلقاً ومرتكزاً، تؤدي إلى تجذير للفكر حين توجه العدوانية نحو عدو مفترض".

وقبل أولئك كان القرآن الكريم قد حسم الجدل حول الميل الطبيعي عند الإنسان نحو التعصب، وفرْض القناعات على الآخرين، وذلك في قوله تعالى:"كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى". فبغض النظر عن سبب نزول الآية، إلا أن عموم لفظها يشهد بأن الإنسان متى ما امتلك القوة اللازمة، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية، أم ثقافية، فإنه سينصرف إلى فرض قناعاته على الآخرين، سواء أكانت دينية أم مذهبية أم عرقية.

وللمقال صلة.

اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «3»
مشكور
[1]
19 / 5 / 2015 م - 8:38 م
استاذ/يوسف كلامك كلام الواعي الحريص على الوحدة ونبذ التفرقة العنصرية والفتنة اطائفية التي تشكل اكبر خطر على تفتيت المجتمع وطمس الهوية والوحدة الوطنية وتخالف اوامر الدين الحنيف والواجب على الدولة اصدار قرارات صارمة ورادعة ضد كل من يتنطع بها وينشرها فهناك الكثير ممن يترزقون من وراء تجارت الفتنة والكل يعلم ذالك ويسمع به في جميع المناطق و على المواطن ان يبلغ عن اهل التفرقة والفتن وعدم الاستماع اليهم فهل بعد 1400عام ياتي من يعلمنا الاسلام وكانه وصي على عباد الله الواجب على الجميع محاربة التطرف والابلاغ عن ناشريه ولوكانو من اقاربهم وكذلك يجب ترسيخ الوحدة الوطنيه فمن ينشر التفرقة يحارب الوحدة الوطنية ويستهزئ بها الحذر الحذر مماترونه يقع من كل حدب وصوب وماوصلت تلك الدول اليه فهل نعي وننتبه قبل فوات الاوان ونضع حد لكل منحرف ومحرض وناشر لتلك الامراض التي تدمر البلاد والعباد؟؟؟اللهم احفظ البلاد والعباد وحكامها من كل خبيث يحمل وينشر الشر ورد كيده بنحره ياالله بحيلك وقوتك التي لاتقهر ولعنة الله على الخائينين...
سالمه المرعيه اليامي
[2]
20 / 5 / 2015 م - 1:49 م
العصبية و الفتنه لا يحركها الا ابعد الناس منها و اخسها ....مجرد فقاقيع صغيره ممتلئة بالهواء ولا نحتاج الا دبوس " انغزه " في الفقاعة يا مشكور :)
مشكور
[3]
21 / 5 / 2015 م - 8:24 ص
عزيزي/ضعيف النظر يضيع الطريق ولايشوف العنب؟؟؟
كاتب صحفي - جريدة الرياض السعودية
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3327413