الأزهر الفاطمي
احد شواهد دولة الحضارة والسلام
محمد آل زيد * - « خاص » - 21 / 2 / 2006 م - 6:31 ص

يعد جامع الأزهر أول عمل معماري أقامه الفاطميون في مصر وما زال قائم حتى يومنا هذا، وهو أول مسجد أنشئ في مدينة القاهرة التي أسسها جوهر الصقلي بناء على تصميم مسبق قام بوضعه له الإمام المعز لدين الله لتكون عاصمة للدولة الفاطمية، وقد بدأ جوهر الصقلي في إنشاء الجامع في (24 من جمادى الأولى 359 هـ الموافق 4 من إبريل 970م)، ولما تم بناؤه في سنتين تقريبا افتتح للصلاة في (7 من رمضان 361 هـ الموافق 22 من يونيو 971م) ليكون مسجدا جامعا للعاصمة الفاطمية الجديدة، ومعهدا لنشر العلم.
ويقع الجامع جنوب شرقي مقر الخليفة، ولعله سمي بالأزهر على أسم نموذجه الأول في مدينة المنصورية (صبرة التونسية اليوم)، حيث كان في الأصل مسجدا أميريا خصص للخليفة وحاشيته. [1] 

الازهر
مسقط رأسي للأزهر عند انشاءه

ولم يكن يُعرف منذ إنشائه بالجامع الأزهر، وإنما أطلق عليه اسم جامع القاهرة، وظلت هذه التسمية غالبة عليه معظم سنوات الحكم الفاطمي، ثم توارى هذا الاسم واستأثر اسم الأزهر بالمسجد فأصبح يعرف بالجامع الأزهر، وظلت هذه التسمية إلى وقتنا الحاضر، وغدا من أشهر المؤسسات الإسلامية على وجه الأرض.
ويردد المؤرخون أسبابا مختلفة لإطلاق اسم الأزهر على جامع الفاطميين الأول في مصر، ولعل أقواها وأقربها إلى الصواب أن لفظة الأزهر مشتقة من الزهراء لقب السيدة فاطمة بنت رسول الله ، التي كانت الدولة الفاطمية تنتسب إليها، ومن ثم أطلق على جامع القاهرة اسم الأزهر؛ تيمناً باسم السيدة فاطمة الزهراء.
و يشتمل الأزهر على مكان مسقوف للصلاة يسمى مقصورة ، وأخر غير مسقوف يسمى صحنا. وقد بنى فيه القائد جوهر مقصورة كبيرة و أنشأ بها محرابا يسمى الآن القبلة القديمة وكان الخلفاء الفاطميين منذ عهد المعز يحتفلون بإقامة الصلوات يوم الجمعة والأعياد في الجامع الأزهر، وكثيرا ما الأزهركانوا يؤمون الناس في الصلاة ويخطبون فيهم، وكانت تقام بهذا الجامع إلى جانب الصلوات بعض الحفلات الدينية. [2] 
ولا تزال عمارة جوهر تشكل صلب البناء الحالي. غير ان جملة الابنية التي أضيفت حوله عبر القرون تعني أن الجانب الخارجي الظاهر حاليا لهذا المسجد لا يعطي أية فكرة بخصوص الهيكل الفاطمي الأصلي للبناء. [3] 

وحول العناية والتجديد الذي طرأ على الأزهر إبان العصر الفاطمي يقول د.محمد كامل حسين : جدد فيه العزيز بالله والحاكم بأمر الله الذي وقف عليه رباعا بمصر، ثم جدده المستنصر بالله والحافظ لدين الله الذي أنشأ فيه مقصورة بجوار الباب الغربي، وهكذا كان هذا المسجد في العصر الفاطمي محل رعاية الأئمة وعنايتهم، فلم يقصروا في تجديده والزيادة فيه، حتى قيل: إنه كان يصدر في محرابه منطقة فضة قلعها صلاح الدين الأيوبي سنة 569هـ فكان وزنها خمسة آلاف درهم سوى قناديل الفضة وتنورين من الفضة. ووقفوا لمؤذنيه وخدمه ووسائل نظافته وإنارته وفرشه ما هو مذكور في كتب التاريخ، والذي يهمنا الآن هو أن الفاطميين كانوا يشجعون العلماء والفقهاء للتحليق في هذا المسجد العتيد واتخذوا منه جامعة علمية، فعد بحق أقدم جامعة عرفها التاريخ.[4] 

الازهر
باب زويلة

كانت القاهرة هي المركز العلمي للفاطميين منذ انتقال المعز لدين الله لمصر حتى أفول نجمها وتمركزت تحديدا في الجامع الأزهر بالإضافة إلى دار العلم "الحكمة" والقصر ألإمامي.
وكانت بداية التدريس في جامع القاهرة (الأزهر) في سنة 365هـ/ 975م بعد ثلاث سنوات من وصول المعز لدين الله إلى مصر ، ففي صفر من هذا العام جلس القاضي علي بن النعمان في الجامع وأملى مختصر ابيه في الفقه المعروف بـ "الاقتصار" في جمع حافل من العلماء والكبراء وأثبت أسماء الحاضرين. فكانت هذه أول حلقة للدرس بالجامع الأزهر [5] 
ولما تولى يعقوب بن كلس الوزارة للعزيز بالله استأذنه في سنة 378 هـ / 988 م لتعيين جماعة من الفقهاء بجامع القاهرة (الأزهر)، كان عددهم سبعة وثلاثين فقيها يرأسهم الفقيه أبو يعقوب قاضي الخندق، كانوا يتحلقون كل يوم جمعة بجامع القاهرة بعد الصلاة، ويتكلمون في الفقه حتى وقت العصر. ورتب لهم العزيز بالله أرزاقا وجرايات شهرية، وأقام لهم دار للسكنى بجوار الجامع الأزهر، وخلع عليهم في يوم عيد الفطر وحملهم على بغلات تشريفا وتكريما لهم، كما أجرى عليهم الوزير أبن كلس أيضا أرزاقا من ماله الخاص. [6] 
يقول المقريزي : "وهي أول مرة يقام فيها درس في مصر بمعلوم جار من قبل السلطان" [7] 
وبهذا اكتسب الأزهر لأول مرة صفته العلمية باعتباره معهدًا للدراسة المنظمة. فالمساجد على هذا النحو لم تكن مكانا لإقامة الشعائر الدينية فحسب بل كانت دور علم أيضا. وعرف الفاطميون هذه الحقيقة فلم يتوانوا في اتخاذ المساجد مجالا لنشر العلم وكان هذا سبب لكثرة بنائهم للمساجد. [8] 
ولما قامت الدولة الأيوبية عملت على إلغاء المذهب الشيعي، وتقوية المذهب السني وذلك بإنشاء مدارس جديدة لتدريس المذاهب السنية الأربعة، وأغرت عناية الدولة بهذه المدارس وإغداق الأموال على القائمين عليها، أن ينتقل إليها الشيوخ والمدرسون وطلاب العلم، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى فتور الإقبال على الأزهر وضعف الحركة العلمية فيه حينذاك.
واسترد الأزهر عافيته في عهد الدولة المملوكية، واستعاد مكانته السامقة باعتباره معهدا علميا راقيا، وزاد من مكانته قضاء التتار على بغداد حاضرة الخلافة العباسية، وسقوط قرطبة وغيرها من حواضر الأندلس؛ فأصبح الأزهر مقصد العلماء والطلاب من سائر أنحاء العالم الإسلامي، وتبوأ نوعا من الزعامة الفكرية والثقافية، وأصبحت مصر بفضله ينبوع العلم كما قال ابن خلدون، وهو واحد من العلماء الذين وفدوا إلى مصر، وتولوا التدريس في الأزهر.

[1]  هاينز هالم : الفاطميون وتقاليدهم في التعليم ص 59.
[2]  محمد جمال الدين سرور : تاريخ الدولة الفاطمية ص68.
[3]  هاينز هالم : الفاطميون وتقاليدهم في التعليم ص 59.
[4]  محمد كامل حسين : الأدب في مصر الفاطمية ص 43.
[5]  (المقريزي: الخطط 2: 341، اتعاظ الحنفاء 1: 227).
[6]  (المسبحي : نصوص ضائعة 38، ابن أبي الفضائل : النهج السديد 500-501، القلقشندي : صبح الأعشى 3 : 363 ،المقريزي : الخطط 2: 273، 341 ،عنان : تاريخ الجامع الأزهر 43-44)
[7]  المقريزي : الخطط 2 : 363.
[8]  محمد كامل حسين : الأدب في مصر الفاطمية ص 43.
اضف هذا الموضوع الى:
كاتب صوت الأخدود
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3335200