أحاديث في الأدب الشعبي
الوثائق التقليدية في نجران دلالة على عراقة وحضارة
صحيفة الرياض - « عبدالرحيم الأحمدي » - 23 / 10 / 2014 م - 2:08 م

ليس هذا إقحاماً إلى عالم الأدب، ولكنه جنس من أجناس الكتابة لا يجيده غير من لديه حس أدبي وملكة كتابة تستلهم الآتي من أحداث المجتمع، وتتحرى الدقة القانونية من خلال إجادة الكتابة، ولما كان لكل جنس من أجناس الكتابه آدابه وتقاليده التي تميزه عن الكلام العام أو الدارج، وتمنحه درجة من الاعتراف بنصوصه وحذق كاتبه، وإذ يتمتع المبدع في الأدب بحرية الإبداع فإن غيره يحتفظ لموضوع إبداعه بما يستحق من التحريز والوضوح وحساب الاحتمالات، ومن هذا النسق نجد معظم الوثائق التقليدية تخضع لكاتبها وإلمامه بكتابة الوثائق، وعلى هذا النهج تبرم الاتفاقات التي تجرى في البوادي والقرى تراعي مضمونا قد لا يدركه الأديب في المدينة، وتراعي إطاراً دقيقا لحفظ الحقوق ودفع الخلافات والمداخل التي ينتهز وجودها الخصوم لتحقيق مآرب لم يحصنها كاتب الوثيقة.

في هذا الموضوع نشير إلى نموذج من هذه الوثائق يمثل معاهدة بين قبائل نجران ومجاوريهم لإنشاء سوق، تشعرك هذه الوثيقة ببنودها وشهودها بمدنية مبكرة لمنطقة نجران، وتذكرك بتاريخ المنطقة وحضارتها العريقة.

نجران ذلك المركز الحضاري الذي تحتضنه أطراف الربع الخالي وصحراء الاحقاق، وترفده السروات بالسيول التي جعلت من المنطقة فياضا زراعية خصبة، دعت للاستقرار به قديما واستجابت لمشروعات التنمية الحديثة.

اللواء الركن محمد بن فيصل ابو ساقإن أول ما عرفنا نجران من خلال القرآن الكريم وسورة البروج وأصحاب الأخدود، ومن السيرة النبوية ووفود نجران إلى المدينة المنورة لمعرفة الدين الجديد الذي أرسل به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إكمالاً للدين الحنيف الذي عليه من كان قبلنا، وفي المدارس الابتدائية والمتوسطة تلقينا نماذج من خطب قس بن ساعدة الإيادي وأشعار عبد يغوث وفروسية ابن معدي كرب وغيرهم من الحكماء والشعراء والأبطال، فهي ديار يام تلك القبيلة التي تقتل قديماً الجبان من أبنائها. كل هذه الملامح تنبئ عن شأن فريد لنجران وعراقتها ومدها الثقافي، وكلما تقدمنا في الدراسة والقراءة الحرة تعرفنا على مزيد من العراقة والأصالة.

ولقد اهتم مثقفو المنطقة بتأريخها وصدرت مؤلفات معاصرة، وأجريت دراسات للكشف عن هذا العمق الحضاري، ومن أبرزها كتاب «نجران: نجرامتروبوليس ومدخل إلى نجران الحديثة (24 ق. م - 1994م) » لمعالي الدكتور محمد أبو ساق وزير الدولة عضو مجلس الوزراء لشؤون مجلس الشورى، يقع الكتاب في 368 صفحة 17 × 24 كتاب جدير بالقراءة لمحتواه المجيب عن كثير من التساؤلات ولمنهجية المؤلف المتسمة بالدقة والمصداقية والحياد، ومهما امتدحت المؤلف القدير والمواطن المخلص وكتابه فإنني لن أوفيه حقه من الثناء على إبداع تناول التعريف بجزء هام من بلادنا بموضوعية وشمولية.

قلعة من نجران
من نجران القديمة

ولما كانت خزامى الصحارى تهتم بثقافة الصحراء فسأتناول طرفاً من الكتاب يتصل بهذه الثقافة في مرحلة ما قبل التعليم النظامي، وظهور المؤهلات التي إليها يرد تقدم الأمم، وتنسى جهود الإنسان التقليدي في التفكير لصلاح مجتمعه، نعم هذا الإنسان الأمي في صحراء الجزيرة العربية لم يستسلم لأميته في القراءة والكتابه، ولكنه كان يعمل فكره لتحقيق حياة كريمة يسودها الوفاق والامن وتنعم بالاستقرار، فاتخذ كثيراً من الوسائل والتنظيمات المستلهمة من دينه وخلقه الكريم، والمستجيبة لحاجاته، ومحو معاناته.

في هذا المجال يورد المؤلف وثيقة بل معاهدة وطنية تراعي حقوق المواطنة والجوار والتنمية الاقتصادية وتعميق قنوات التواصل والتفاهم وتبادل المصالح بين الناس، يعود تاريخها إلى عام 1286ه لتأسيس (سوق آل فاطمة - يام) وقعها أكثر من ثمانين رجلا يمثلون أسر وقبائل نجران ومجاوريهم والمستفيدين من السوق، والسوق تقام يوماً واحداً أسبوعياً وفي المنطقة أسواق أخرى على هذا المنول، والسوق ملتقى تجاري واجتماعي يؤمها المستفيدون من أهل القرى المجاورة وبواديها.

إن مدار اهتمامنا هنا هو بنصوص الاتفاقية وما تمثله من وعي ثقافي:

أولا – البداية: «الحمد لله وحده، وصلى الله على رسوله سيدنا محمد وآله الطاهرين وسلم عليهم أجمعين» بداية ذات دلالة على هوية المجتمع الإسلامي.

ثانياً – الأطراف:

الطرف الأول: آل فاطمة أصحاب السوق وحماتها المسؤولون عن إدارتها.

الطرف الثاني: المستفيدون من السوق.

غلاف كتاب نجران لابوساقثالثاً: الموضوع: السوق «وكان المذكورين [المذكورون] طرحوا الوجيه النقية» إخلاص النوايا بإقامة المشروع لخير المجموع «ثم إنهم قاموا وقوموا [وأقاموا] لهم سوق [سوقا] من أين ما كانوا، وركزوه فكان مكانه برضاهم جميع ورضا راعي البقعة [آل فاطمة]».

رابعاً: العهد والالتزام: «تطارحوا الوجيه وعهد الله وميثاقه عليهم في الصلح والنقاء والوفاء، ثم إن كلهم لرفيقه [منعا للتحيز] ما يأخذهم كلهم في صاحبه لومة لائم ولا خدعة ولا فسالة ومن خان لا كان».

التطارح هو مسح الوجه وإمساك اللحية باليد التزاماً بالعقد واستسلاماً لنصوصه والتقيد دون ميل أو انحياز لقريب أو صديق أو مظلمة لآخر، وتطارح الوجيه فوق كل عهد، وكل معاهدات القبائل يشار فيها إلى الوجيه، وفي ذلك قيمة اجتماعية يصعب الحنث بها.

خامساً: مسؤولية الإشراف على السوق: «ثم إنهم أمنوه بين رجال آل فاطمة، ومن دخل مدخلهم من حبطاهم جشم أهل وطنهم الذين بينهم» والحبيط هو المجاور والشريك في الانتفاع بمصلحة من حياته بينهم مثل العمالة القادمة التي تشارك في الحركة الاقتصادية. كانت هذه الرؤية قبل أكثر من مائتين وخمسين عاماً فيما يعده بعضنا عهد الجاهلية الثاني. نواة المجتمع المدني الذي ننادي به اليوم.

سادساً: المواعيد «من يوم تقرح الشمس إلى أن تغيب شمس المغرب» وتقرح ترتفع قيد رمح إلى غروبها الذي ينتهي به النهار» وقد استثنيت بعض الحالات من حيث المغادرة مراعاة لأمن الطريق بين السوق وقرى المتسوقين.

سابعاً: أمن السوق: لم ينس المتعاهدون تحديد حمى السوق بأنه ليس المساحة التي يلتقي فيها المتسوقون بل إنه يتجاوزها إلى محيط القدوم إليها والانصراف منها «وكان من سوقه فكان آمناً ذاك النهار.. وكان من قصده من الأجناب فكانه آمن إلى وجيههم من يوم تقرح الشمس إلى أن تغيب، ومن يطرح في السوق والأوطان أهل إلى أن يشدوا يوم يشد في غير سوق من الأيام، فكان آمن يوم يصدر من سوقه إلى أن تغيب الشمس نهار يوم يشد منه آمن، وكان آل فاطمة آمنين نهار السوق وجميع من كان سوقه في الحدود المذكورة».

هذا البند يتطلب شرحاً وتفصيلا أكثر، بل إن موضوع الأسواق جدير بالدراسة. فهذه تنظيمات أهلية لم تضعها حكومة أو ترعها، وإنما طرح الوجيه هذا يترتب عليه أمور كثيرة قد توجب محاربة من اعتدى على طرف منها، والناس حينها يحترمون ذلك توطينا للأمن وتجنباً للإساءة.

لن أسترسل أكثر فهناك بنود أخرى تحدد اختصاصات السوق وإدارتها وتنظيمها، نظام يعبر عن جذور حضارية واستشفاف للواقع الذي يتطلب تضافر الجهود في غياب دولة تقوم بهذا الدور.

وفي الكتاب إشارات إلى تبادل الترحيب بين الملك عبدالعزيز رحمه الله ورجالات نجران الذين كانوا يديرون البلاد تحت إدارة أمراء محليين، منهم الشيخ جابر أبو ساق الذي كان من بين مشائخ القبائل الذين اتصلوا بالملك عبدالعزيز لضم المنطقة إلى الوحدة الوطنية التي أقامها الملك عبدالعزيز.

وعلى أية حال يشكر الدكتور أبو ساق على ما تناوله الكتاب وأضافه إلى التعريف ببلادنا وتأريخها، وهو كتاب للدارسين والمثقفين لا تستغنى عنه مكتبة خاصة أو عامة.

ذات صلة
http://www.okhdood.com/index.php?act=writers&id=126

اضف هذا الموضوع الى:
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3305090