حسن المالكي: ليس هناك حد ردة في القرآن.. واليهودي أو النصراني أو البوذي لا يعد كافرا
صوت الأخدود - 15 / 12 / 2013 م - 11:11 ص
المالكي
المالكي
أكد الباحث في الشؤون الدينية حسن بن فرحان المالكي أنه مستعد للاعتذار لابن تيمية إذا اكتشف أنه أخطا في حقه.
 وقال حسن بن فرحان، المعروف بمواقفه المثيرة للجدل في نقد التاريخ الأسلامي  في حواره مع صحيفة “عكاظ اليوم” إنه لا يوجد في الشريعة شيء اسمه استتابة، "ولا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله إجبار على التوبة"، لافتا إلى أنه كذلك لا يوجد في الشريعة حد الردة، "فحرية الاعتقاد هي الأصل، وليس هناك حد ردة في القرآن، وكل العقوبات يؤجلها الله إلى يوم القيامة". واتهم المالكي الإسلاميين الذين ينقمون على الحكومات العربية تطبيق الأحكام الوضعية بأن كتبهم العقائدية والفقهية مليئة بالأحكام الوضعية التي ما أنزل الله بها من سلطان، على حد تعبيره.
 
وأكد أنه لا يهمه إن قيل عنه أنه ليس من أهل السنة وأنه زيدي، وأرجع انحسار الصحوة إلى طابعها الحزبي والمذهبي.
 
ويرى المالكي أنه قد ينجو يوم القيامة من غير المسلمين أكثر ممن ينجو من المسلمين “لأن المسلمين عليهم حجة أكبر فهم يقرأون القرآن الكريم، صباح مساء، ويخالفونه”، مبينا أن اليهودي أو النصراني أو البوذي معذور إذا عرض عليه الإسلام بشكله الحالي ولم يؤمن به، وأنه لا يعد كافرا.
 
قضايا أخرى شرعية، وفكرية، تطرق إليها حسن فرحان المالكي، فإلى الحوار كما نشره موقع عكاظ اليوم :
 
< تحدثت في مقال لك عن السلفية المصرية، وقلت إن هناك تباينات ما بين سلفيات المركز وسلفيات الأطراف، فالأولى تم ترويضها بينما الثانية لا تزال جائعة، وعلى قدر كبير من التطرف، برأيك ما هو سبب هذا التباين؟
 
-   المشكلة في ظني أن التراث عندما طبع خرج لنا تراثا مغاليا، وهذا ما قصدته في كتابي “قراءة كتب في العقائد”، فالمطابع تدفع في كل يوم بكتب لغلاة مجانين، مثلا البربهاري الحنبلي الذي يقول من خالف حرفا مما في كتابي هذا فلا يدين الله بدين، يعني أتى بكتاب جمع فيه آراء، وكفر كل من أنكر حرفا، هذا غلو ما يقوله الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ولا تقوله السلفية المحلية، فمثل هذا الكتاب ينتشر في الخارج، إلى جانب كتب فيها تكفير لأبي حنيفة ألفها سلفيون معاصرون له، انتشرت في اليمن، وفي مصر، والشام، فالمقصود أن سلفية الأطراف، لم تجرب المصادمة مع المجتمع والدولة، كما جربتها سلفية المركز، ولذلك سلفية المركز تعدلت، بعد ما فعله الإخوان في السبلة، وما فعله جهيمان، ومن بعده صار هناك ترويض، أما في الخارج، فهم أقليات قاعدية وجهادية، يقرأون أي كتاب فيعتمدون ما فيه، وينطلقون في التكفير.
 
< مثلا؟
 
-   عندما يأتي ابن تيمية يقول “من فعل كذا يستتاب وإلا قتل” ينظر السلفيون في دولهم، فيجدونها لا تستتيب مواطنين، أو حكومات، وهم يريدون الاستتابة وإلا القتل، في حين أن قول ابن تيمية يستتاب وإلا قتل، حكم وضعي، وليس حكما إلهيا حتى يصبح مشرعا، فلا يجوز قتل من لم يأذن الله بقتله، من قاتل النفس ومن الباغي، وقاطع الطريق، هذا الذي حدد الله من هو الذي يجب أن يقتل، وليس في الشريعة شيء اسمه استتابة، لا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله إجبار على التوبة، حتى الذي قال في حق النبي صلى الله عليه وسلم ((ليخرجن الأعز منها الأذل)) عرضت عليه التوبة فقط، القرآن يعرض التوبة، ولا يلزم بها، والنبي يعرض التوبة ولا يلزم بها، أما المذهب فيعرض التوبة، ويلزم بها، وإن لم تفعل قتلت! وهذا تحكم! فلا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي، ولذلك سلفية الأطراف أشبهها بموجة البئر، فعندما تضرب بصخرة وسط البئر تبدأ الموجة ترتفع، ثم يتوقف المركز، ولا تزال الموجة تضرب في أطراف البئر.
 
منطلقات عقائدية
 
< فيما يخص قراءاتك للتاريخ، هناك من يرى أن هذه القراءة تعتمد منطلقات عقائدية، ولا تراعي الأبعاد السياسية والتاريخية، بمعنى أنك لا تختلف منهجيا عن من تنتقدهم، فقط أنت تصدر أحكاما مختلفة، لدرجة أن هناك من اعتبر أبحاثكم مجرد قراءة شيعية للأحاديث والتاريخ؟
 
-  طبعا أنا آخذ متواتر التاريخ، وأبني عليه ما يشبهه، مثلما آخذ من القرآن الآيات المحكمات، وأبني عليها ما يشبهها من الحديث، فمثلا السبب في الوصف بأن قراءتي شيعية أن السنة المعاصرين أو معظمهم لم يعودوا سنة وفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أصبحوا سنة مذهبية، أو سنة تاريخية، أو سنة أموية، ولذلك مصادري كلها سنية وأنا أريد إحياء السنة القديمة التي هي سنة النبي، التي هي ذم الباغي، ودعاة النار، ومدح أهل الخير والفضل، فعندما أجد مثلا صحابة مهاجري الحبشة لا يعرفهم أحد، بينما الطلقاء والأعراب معروفون، بل حتى ظلمة الحجاج عندنا خمس مؤلفات في فضائلهم، هل هذه سنة محمد؟! أن يرفع مثل الحجاج بن يوسف الثقفي ويزيد بن معاوية، ويجعلون أئمة هدى، هذه ليست سنة محمد، هذه سنة مذهبية، وكما أن هناك سلفية مركز، وسلفية أطراف، فكذلك هناك سنة نبوية، وهناك سنة تاريخية مذهبية محدثة، الصراع قديم بين السنة المذهبية والسنة النصية، السنة النصية يعني النص وإن خالفك من خالفك كما قال ابن مسعود “السنة ما وافق الحق ولو كنت وحدك” وهم يعتمدون على المذهبية،  إذا أتاهم مثلا نص “تقتل عمار الفئة الباغية” ما يحبون هذا النص، وهو متواتر في الصحيحين، فما ذنبي أنا إن أظهرت النص وكتموه؟! من هو صاحب السنة، هل هو الذي يظهر هذا النص المجمع عليه؟، أم من يكتمه، ويكرهه، ولا يحب أن يذكر؟، وكذلك فضائل الإمام علي مثل حديث “أنت مني بمنزلة هارون من موسى” هذا في الصحيحين، من هو السني؟ الذي يظهره ويعتقده؟ أم من يكتمه ويتكلف في رده وإبطال دلالته من الداخل متنا؟ لذلك معياري في السنة، وعدم السنة، هو النص، وليس الناس، لأن الناس، والكثرة لا تغني عند الله، الله عز وجل يقول ” ما أغنى عنكم وجمعكم وما كنتم تستكبرون”، فالتكبر المذهبي، والتكثر بالجماعة هذه لا تجدي عند الله، فهو يحاسبك على النص، وليس على مسايرة الرأي العام.
 
ابن تيمية
 
< لديك موقف من شيخ الإسلام ابن تيمية، حتى إنك قلت في رسالتك “نقض جواب ابن تيمية في إسلام معاوية “ابن تيمية حاجز كبير بين السلفية المتأخرة، وسلفية الصحابة والتابعين”؛  ألا ترى أن هذا حكم جائر، على شيخ الإسلام الذي يعد أبرز مجددي مذهب السلف؟
 
-   مشكلة ابن تيمية أنه يجعل بعض أئمة الضلالة أئمة هدى، مثل خالد القسري، كان أميرا ظالما فاسقا سكيرا، يقتل ويفعل الأفاعيل، هذا يجعله حجة في قتله للجعد بن درهم! إذن كيف نعرض إسلامنا على الغرب إذا كنا نقول إن هناك حاكما نزل إلى محاكمة، من على منبر، وذبح متهما، وصدقه المسلمون، ومشوا خلفه! بالله أي قضاء هذا؟!
 
< هو حسب الروايات التي وصلتنا فإن الجعد بن درهم اتهم بأنه قال إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، فكأن القسري هنا لم يستبح دم الجعد جزافا، بقدر ما طبق فيه حكما شرعيا؟
 
-   خالد القسري زعم أن الجعد قال كذا، وقال كذا، هل حوكم؟ هل سئل؟ هل وجد كتاب يقول هذا القول؟ هل فيه رواية عن تلاميذه؟ إذا الظالم هو الذي أصدر الحكم، وذبح، قبل أن نسمع قول المذبوح إلى اليوم، وهذا من أبلغ ما نؤذي به إسلامنا عندما نجعل التاريخ مشرعا، التاريخ والظلمة ليسا مشرعين، وليسا قيمين على الدين، فإذا كان خالد القسري، يقول إن الجعد قال ما قال، فالمفترض أن يعرض على محكمة شرعية، ويسمعوا منه هل قال ما نسب إليه أم لم يقل؟، هذا أولا، ثانيا إذا ثبت أنه قال ينظر هل له تأويل أم لا؟ فإذا كان له تأويل فإنه يعذر، أما إذا لم يكن له تأويل، فليس هناك حد في الردة أصلا، لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.
 
حد الردة
 
< ليس هناك حد في الردة أصلا؟
 
-         أبدا
 
< والدليل؟
 
أولا حديث “من بدل دينه فاقتلوه” حديث ضعيف انفرد به عكرمة مولى ابن عباس، وكان في محل سخط أغلب الناس، وحتى  أن ابنه علي بن عبدالله بن عباس سجنه، أيضا حرية الاعتقاد أصل في القرآن الكريم.
 
< لكن ماذا عن قتال الصحابة للمرتدين، ومانعي الزكاة من العرب؟
 
-  أولا في القرآن الكريم ” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي”، والله عز وجل أكبر وأعلى من أن يطلب منك أن تؤمن نفاقا، أما حرب أبي بكر للمرتدين، فهي حرب لردة جماعية تنفصل عن جسد الدولة المركزية، وهذا يدخل في أهل البغي، فمثلا الآن في أمريكا لو انفصلت ولاية، وقالت إنها لن تلتزم بقوانين الحكومة، فإنها ستحارب، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقتل مرتدا في حياته، مثل الذي قال “ليخرجن الأعز منها الأذل”، ومثل الذين استهزأوا يوم تبوك بالنبي، فأنزل الله فيهم ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ومثل الذين قال الله فيهم ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا هؤلاء برغم الردات التي ارتكبوها لم يقتلوا،  فحرية الاعتقاد في القرآن هي الأصل، وليس هناك حد ردة في القرآن، وكل العقوبات يؤجلها الله إلى يوم القيامة، إلا إذا انفصلوا عن الدولة، فهذا يصبح انفصالا سياسيا، أو يدخلون في حكم البغي.
 
فالمقصود أن ابن تيمية ليس أمينا ولا دقيقا في النقل عن السلف، لأنه حتى معاصريه من أهل السنة لما حاكموه، حاكموه على أساس قضية كذا وقضية كذا، طيب هم أليسوا سنة؟! هم سنة ويقولون أنت لست أمينا مع السلف.
 
فتاوى ابن تيمية
 
< لكن هناك ممن كتب عن شيخ الإسلام ولعل الإمام الذهبي منهم نبه إلى ضرورة التفريق بين ابن تيمية عندما يكون مجادلا، وابن تيمية عندما يقرر في مسألة ما بمنأى عن النقاش، أنت لم تراع هذه الجزئية في نقدك لشيخ الإسلام؟
 
-   أظن أن من أرادوا تسميح ابن تيمية عجزوا عن ذلك، فمثلا يأتي واحد ويسأل ابن تيمية في فتاواه، عمن يجهر بالنية الصلاة، وهو معروف أنه مذهب الشافعية، أو كثير منهم، هنا لا يوجد جدل ولا خصومة، بل مجرد سؤال، لكن ماذا يقول ابن تيمية “يستتاب وإلا قتل”! الله أكبر! يعني أصبح  حتى في الفرعيات يكثر من كلمة “يستتاب”، وبالمناسبة فكلمة “يستتاب” حكم وضعي من أي مذهب كان، ليس في الشرع استتابة إجبارية وإنما فيه عرض للتوبة، وأنت حر إما أن تتوب أو لا تتوب، فلذلك فتاوى ابن تيمية التي يكتبها ليس فيها جدل، ولا خصومة، ربما نقول إن في منهاج السنة خصومة، مع أن المفترض بالمسلم أن يقول العدل ﴿ولا يحرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى وغير مسموح لك في وقت الغضب أن ترد نصوصا شرعية، وتأتي بتشريعات وأحكام وضعية ما أنزل الله بها من سلطان، والأحكام الوضعية التي حارب الإسلاميون بسببها الحكومات العربية، في كتبهم العقدية والفقهية أحكام وضعية ما أنزل الله بها من سلطان، ليس الفرق في الحكم الوضعي أن يضعه فرنسي أو مسلم، المهم أنه حكم ليس من أحكام الله، تقول يقتل من يجهر بالنية في الصلاة، هذا حكم وضعي، ولو كنت من كنت، وصفة الإسلام فيك لا تسوغ لك أن تكون شريكا لله في التشريع.
 
< ألا ترى بما يقوله البعض من أن فتاوى ابن تيمية أدخل فيها ما ليس منها؟
 
-   طبعا هذه ليست مسؤوليتنا، والمفترض إن كان هؤلاء الذين ألفوا الفتاوى الكبرى ومنهاج السنة والاستقامة والفرقان، وغيرها من كتبه، إن كانوا وضعوها عليه، فنحن في ذمتهم، لكن هذا حقيقة من التكلف في الدفاع عن ابن تيمية لأنه في النهاية بشر يخطئ ويصيب، والمفترض نقول إنه أخطأ، بدون حاجة إلى أن نتعنى ونحتمل، فالاحتمال أن هذه الكتب له، فنحن نتعامل معه من هذا المنطلق، كما نتعامل مع الشافعي، وأبي حنيفة، ومع الكليني الشيعي، ومع الربيع بن حنيفة الإباضي، فالاحتمال الكبير وبنسبة 99% أنها لابن تيمية.
 
< في بحثك (لماذا هذه المكانة لابن تيمية) أوردت نصوصا لبعض من عاصر ابن تيمية أو جاء بعده، مثل الذهبي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي وغيرهم، وهذه النصوص فيها نقد لابن تيمية، ألا ترى أن هذا ليس أسلوبا علميا، وهو مجرد ضرب للأقوال ببعضها؟
 
-   عندما أنقل الأقوال في ابن تيمية فأنا أفعل ذلك حتى أبين لجمهور ابن تيمية بأنه لا يضللكم أصحابكم عندما يقولون أجمع عليه المسلمون، وأنه إمام أهل السنة، لا، هو إمام السلفيين فقط، وقسم من السلفية، حتى الذهبي وهو تلميذه انظر ماذا قال فيه في النصيحة الذهبية، وفي زغل العلم.
 
< لكن الذهبي أثنى عليه كثيرا؟
 
-   نعم، ولهذا ينقل هذا وهذا، وينظر أيهما أقرب وأيهما كان آخر ما قال الذهبي، طبعا النصيحة الذهبية كان يكثر فيها من قوله كنت أظن وكنت، وهو يوضح أن الذم كان متأخرا.
 
< لكن هناك من يرى أن النصيحة الذهبية منحولة، وليست للذهبي؟
 
-   أي نقد لابن تيمية يزعمون أنه منحول، لكن كتاب الذهبي “زغل العلم” حققه سلفيون في الكويت، وانتقدوا أقوال الذهبي، لكن لغة الشخص المكثر من التأليف سهل أن تعرفها، فالمقصود أن بعض الأراء قد تكون مبالغة مثل آراء ابن حجر الهيتمي، لكن لأن التيار التيمي اليوم يستدل بآراء ابن حجر هذا على كفر من فعل كذا وكذا، فأردت أن أكويهم به، أي هذا الذي تنقلون عنه انظروا ماذا قال في ابن تيمية، لكني في النهاية أرى أن ابن حجر الهيتمي مجازف في المدح أو في الذم، لكن الذهبي وابن حجر العسقلاني لا، فهما موضوعيان منصفان، وهما عمدة، وقد انتقدا ابن تيمية.
 
الاعتذار لابن تيمية
 
< الكاتب المعروف خالد الغنامي كتب عن ابن تيمية مقالات انتقده فيها، لعل أشهرها “الإنسان والوطن أهم من ابن تيمية”، ثم بعد ذلك، تراجع وكتب معتذرا لشيخ الإسلام؛ أنت في حال راجعت ما كتبت وبدا لك رأي مخالف في ابن تيمية، هل ستعتذر؟
 
-    لا طبعا، خالد أخ عزيز وصديق، ولا أعرف حقيقة ماذا كتب وماذا اعتذر، وإذا كان قد وهم، فهذا رأيه، وهو من حقه  أن يعتذر، وأنا لو اكتشفت أني أخطأت في حق ابن تيمية، قطعا سأعتذر، لأن المعرفة لله، ليست لي، ولا لابن تيمية، أما أن أتراجع عن شيء أرى أنه حق، فهذا خيانة للمعرفة، وخيانة المعرفة لا تجوز، الأشخاص يذوبون عند المعرفة، ومن أتاني بدليل بأنني أخطأت في كذا، وكذا، فإنني مستعد للبحث في الموضوع، ونرى، لأن الشهادة لله، ليست لي ولا لابن تيمية، ولا للسنة، ولا للشيعة، والله عز وجل يقول “يا أيها الذين آمنوا كونوا شهداء لله” فالشهادة لله أبلغ من الصلاة لله، والصوم لله، لماذا؟، لأن الصلاة والصوم لله ليس لهما أثر على الفكر، بينما الشهادة لله لها أثر كبير على الفكر.
 
الحكم بالإيمان
 
< غردت في تويتر، وقلت “لانحكم على أحد بجنة ولا نار حتى البوذيين واليهود والنصارى، إنما نحكم على الصفة الظالمين المتكبرين، من أي دين أو مذهب”، هل يعني هذا أن البوذي أو اليهودي الذي لم يكن ظالما أو متكبرا لا يكون من أهل النار؟
 
-   قد يكون من أهل الجنة البوذي والنصراني واليهودي إذا لم يعلم بالإسلام، وكان محسنا ومتقيا، وأنا أخذت هذا من الآية الكريمة ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها الله أعلى من أن يظلم أحدا، الله هو البصير بالعباد، وهو العليم بكل شخص وظروفه، فلذلك نعم عندما يكون هناك بوذي من مزرعته إلى بيته، ومن مكتبه إلى بيته، محسن أو طبيب، لم يظلم أحدا ولم يغش، ولم يسمع عن الإسلام، وعن محمد عليه الصلاة والسلام، إلا بمثل ما نسمع نحن عن بوذا، وزرادشت، فهذا ما حجته؟ مثلما نحن ما حجتنا إذا كان زرادشت نبيا وبوذي نبيا؟ خاصة أننا لا نحسن عرض الإسلام، كما هو في القرآن، وإنما نعرض الإسلام المذهبي، فهم إن كفروا بهذا الإسلام الذي نعرضه عليهم، فإنهم لا يكفرون بالإسلام الذي أنزله الله في القرآن، وإنما يكفرون بالإسلام المذهبي التاريخي، فلذلك رحمة الله قريب من المحسنين، من أي مذهب أو دين، والله يقول ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم ولم يقل أكثركم إيمانا، والتقوى لمن تتبع معانيها في القرآن تعني كف الأذى والاعتداء، أضف إلى ذلك أن الإيمان لم يرد في القرآن كغاية، وإنما التقوى غاية، والهداية غاية، والرشد غاية، والعقل غاية، فكل لفظة في القرآن ترد بعد “لعلهم” أو “”لعلكم” هي غاية، ولم يرد في القرآن  ﴿لعلهم يؤمنون فالإيمان بالله في القرآن الكريم مجرد وسيلة للتقوى، وليست التقوى وسيلة للإيمان، لذلك لا بد من ترتيب أوامر الله ونواهيه في القرآن وفق ما رتبها هو، وليس وفق ما نرتب نحن ونختار في غايات الله والوسائل إليها، ثم إنه لا يسمى كافرا إلا من علم بالإسلام، ونحن نسمي الصينيين واليابانيين والكوريين والأوربيين كفارا، وهذه تسمية خاطئة، إنما هم من الناس، لأن الكافر في القرآن ليس إلا من علم ثم جحد أو غطى، ونحن نتفق بأنهم كفروا ولم يعلموا حقيقة الإسلام، ولم يصلهم إلا ما يرونه في العالم العربي من ضياع حقوق الإنسان، ومن تقاتل، فلعل هذا ما يصدهم عن الإسلام، ولو عرفوا الإسلام من القرآن بأنه يتكون من ثلاثة أركان، وهي الإقبال على المعلومة، ثم اختبارها والتسليم بالصحيح منها، ثم انعكاس ذلك على العمل الصالح، هذا معنى الإسلام، ولو عرضته على أي أحد في العالم، يقبله، وقد يكون الناجون من غير المسلمين أكثر من الناجين من المسلمين، لأن المسلمين عليهم حجة أكبر فهم يقرأون القرآن الكريم، صباح مساء، ويخالفونه، يأمرهم بالتقوى فيظلمون، ويأمرهم بالصدق فيكذبون، ويأمرهم بالتواضع فيتكبرون، فالحجة عليهم أبلغ من واحد في أدغال إفريقيا أو في وسط استراليا، أو في شرق اليابان.
 
< يعني من وصله الإسلام بصورته الموجودة لدينا، والتي اعتبرتها أنت مذهبية وتاريخية، ثم لم يؤمن به، ألا يمكن أن نعتبره كافرا؟
 
-   لا أبدا، فهو معذور، لأنه حسب المذهبية، فعندما يأتي هؤلاء مثل أحد عناصر القاعدة، ومن المتطرفين ، ويعرض عليهم الإسلام، ويقول لهم نحن في الجنة، وبقية العالم في النار، وأنه يحب أن تقاتلوا، وأن تفجروا، فإنهم يجب عليهم أن يرفضوا هذا أصلا، لأن رفضه إسلام، فالإسلام هو التسليم، التسليم بماذا؟ ليس التسليم عشوائيا، لأن الله وهبك عقلا وأمرك أن تعقل وتفكر في هذا المعروض عليك، أيضا حتى الذين يلحدون في الوسط المحلي أنا أفرق بينهم، فهناك من يلحد بسبب رفضه للنسخة التاريخية التي يظنها إسلام الله، وهو في الحقيقة لم يرفض إسلام الله، لأنه لم يعرفه أصلا، وإنما يعرف نسخة تاريخية عنه، فيجب أن نعرف الله لكي نعرف عدله، ولا نعرف الله صاعدين، وإنما نعرفه نازلين، فنعرفه ثم نعرف عدله، وليس معرفته من المذهب، لأن المذهب لا يأخذنا إلى أعلى الجبل، وإنما يأخذنا إلى طريق دائري لا ينتهي إلى شيء.
 
التعصب المذهبي
 
< بخصوص المذهب أنت تركز دائما على هذه الجزئية، لكن هناك من العلماء من يرى ضرورة التمذهب خاصة لمن لم يصل درجة الاجتهاد من العوام والمقلدين، أنت ما رأيك في هذه القضية؟
 
-   نعم صحيح، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لكن الباحث الذي يستطيع أن يبحث، ويرى الأشلاء والدماء، ويقول مذهبنا كذا، ولا ينكرها، ويشهد للمذهب، ولا يشهد لله، ويلتزم بكتب العقائد أكثر من التزامه بالقرآن الكريم، هذا على خطر عظيم، فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهنا ننظر هل في وسع هذا المتمذهب أن يعرف الإسلام الإلهي أم لا؟ لكن مع ذلك فإن العامة لدينا يعرفون الإسلام أكثر مما يعرفه المتخصصون في العقيدة، لماذا؟ لأن العامة يقرأون القرآن، والقرآن له بركته، فيجدون الأوامر العظمى من الصدق وصلة الرحم وبر الوالدين، والأمانة، وترك الظلم، فهذه كلها مركزة عند العزام، أكثر من العقائديين الذين فصلوا وجعلوا أحكاما خاصة، حتى إن رسائل جامعية عندنا طبعت، وتقول بأنه يجب استتابة المعتزلة والجهمية والأشاعرة وإلا قتلوا! وكلمة المذهبي لا أقصد بها مذهبا معينا، وإنما كل من تعصب في جميع المذاهب لمذهبه، ورأى أنه يقتل من سواه ويستتاب، فهذا بالتأكيد تشريع ما لم يأذن به الله، لأن الله لم يأذن بقتل من لم يسلم، فضلا عمن لم يكن على المذهب.
 
نقد التشيع
 
< يلاحظ على حسن فرحان المالكي أنه لا ينقد الشيعة ومذاهبهم، فنقده كله منصب على المدرسة السلفية، في حين لا يتناول بنفس الحدة باقي المذاهب، بما فيها التشيع وتفرعاته المذهبية؟
 
-   نعم صحيح، وأنا ذكرت أكثر من عذر لهذا، ثم إنهم يطالبونني بالرد فقط على الشيعة!
 
< وهو طلب مبرر، ربما لأن كثيرا من المسائل التي خضت فيها، تم تجييرها لصالح الشيعة، واستغلها بعض الشيعة ضد خصومهم، وهذا ظاهر في احتفاء إعلامهم بأطروحاتك؟
 
-   مع ذلك، قد يوظف الإباضيون نقدي، لكن ليس لدينا حرب مع الإباضيين، يعني الإباضيون يستعرضون كتبي في محاضراتهم، ويوصون بها، لماذا لا يحتجون إذا؟ لأن العيون غامضة عن الإباضيين، فالفرق الأخرى من شيعية وزيدية وصوفية وإباضية ليسوا قضيتي، أنا قضيتي النقد الذاتي، وإن كنت قد تناظرت مع الفرق الأخرى في بعض المسائل، مثل نقدي للعصمة التي تعتبر أس المذهب الشيعي، كما انتقدت التطبير، وغيرها من الخرافات، لكن هذا لا يكفي جماعتنا، فهم يريدونك أن تبقى ذاما للآخرين على طول الخط، وأنا لن أترك لهم هذه الفرصة، لماذا؟ لأن السنة، وسلاطين السنة هم الممثلون الأكثر عرضا للإسلام، وأنا سني وداخل مجتمع سني، والأقربون أولى بالمعروف، ومن المعروف النصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين، لذلك أطالب الشيعي أن ينشغل بالشيعة، والسني أن ينشغل بالسنة، لأن التقاصف المذهبي بين الطرفين لم يزدنا إلا تكبرا، فعندما أؤلف كتابا في ذم الشيعة، وهم يؤلفون كتابا في ذمنا، هذا لا يحل شيئا.
 
تحولات الخطاب
 
< هناك من يرى أنك كنت تتبنى خطابا متسامحا، تجلى في بعض ما كتبته مثل “قراءة في كتب العقائد”، لكن في الفترة الأخيرة صارت اللهجة أكثر شدة، مع مخالفيك سواء من الشخصيات التاريخية التي تصدر عليهم أحكاما قاسية، أو حتى مع محاوريك من المعاصرين، ما سبب هذا التحول؟
 
-   أولا أنا لا أبرئ نفسي، وأنا دائما لا أجعل نفسي نصا، أنا تحت النص، فلو أخطأت في أمر يجب أن أنبه إلى ذلك، ولكني ابتلى أحيانا، بجهلة يبالغون، ويرفعون الضغط كما يقال، فتريد أن ترجعهم إلى أحجامهم، هؤلاء أعرض عليهم آيات من القرآن مرة ومرتين وثلاث، فيزحلقونها، وهذا نوع من الكفر بالقرآن، والله ذم الذين يكفرون ببعض الكتاب أكثر مما ذم الكافرين الأصليين، بل سماهم كافرين حقا، لأنهم يكذبون بالدين، ويظلمون به، ويستأثرون به، وأنا لم أكن متدبرا للقرآن الكريم كاليوم، فاليوم أجد القرآن  معظمه، يدور حول المسلمين “النقد الذاتي”، وحتى الكفر لما يرد في القرآن لا يكون معناه عبدة الأصنام في الغالب، فالله يقول ﴿والكافرون هم الظالمون والظلم له معنى شامل، فهو قد يعني ظلم النفس، وظلم الآخرين، وقد يعني ظلم المعرفة بإنكار الحقائق، فلذلك لا أبرئ نفسي في المبالغة، لكني مستعد للتصحيح لأي فكرة.
 
المذهب الزيدي
 
<  هناك حديث كثير عن أن حسن بن فرحان ليس من أهل السنة، وإنما هو شيعي زيدي، أنت ما رأيك في هذا الأمر؟
 
-   طبعا ما يهمني حكم الله علي، هذا ما أخاف منه، وليس حكم البشر، أما قولهم ليس من أهل السنة، فأي سنة يقصدون؟ إن كانوا أرادوا السنة المذهبية، فأقول هي أولى أو السنة المحمدية؟ فأنا أضربهم بالقرآن الكريم، وبالسنة المحمدية، وليكن، أنا لا أراهم سنة، وهم لا يرونني من السنة، هذه ليست مشكلة، إنما الذي يجب أن نهتم به هو ما حكم الله على أفعالنا؟، فإذا كنت مطمئنا أنك وفق القرآن وصحيح السنة، أو ما يشبه القرآن من متواتر السنة، فما عليك لو حكم العالم كله، بأنك لست من السنة، المهم أن الله يعرف، وليس المهم معرفة الناس، لذلك أنا أنادي إلى ترك عبادة الناس، الله عز وجل يقول ﴿أتخشونهم والله أحق أن تخشوه وأنا في بداية تجديدي كنت أهتم بهذا وكان الناس في قلبي إلها، أما بعد أن تعرفت على الله أكثر أصبحت لا أهتم بآراء الناس، إنما أهتم بالنص ماذا قال؟
 
إحياء التاريخ
 
< ما هي الفائدة المرجوة من إعادة طرح قضايا التاريخ، خاصة ما شجر بين الصحابة من خلافات، وخلافات الأمويين والعلويين، ألا ترى أن طرح هذه القضايا من شأنه أن يثير الوضع الطائفي، بدلا عن فك الانسدادات المعرفية؟
 
-   أولا الوعي التاريخي ضروري، فهل الذين يقولون نمسك عما شجر بين الصحابة، وعما جرى في التاريخ، هل هم يرون إبطال التاريخ كله، وإن كل ماض يترك؟ هذا غير صحيح لأن ثلث القرآن كان يتحدث عن الماضي، وعن قصص الأنبياء وأقوامهم.
 
< لعل المقصود ليس الكف عن التاريخ، بقدر ما هو الكف عن استصدار أحكام معينة من قبيل ظالم، وفاسق، وكافر، وغيرها، على شخصيات تاريخية معينة على نحو ما نجده في كتاباتكم؟
 
-   ماشي، لكن ما جرى بين الصحابة، لم يمسك عنه لا الله، ولا رسوله، ولا الصحابة، ولا التابعون، فالله عز وجل لم يمسك عما جرى بين الصحابة، تقاتلت فئتان فأنزل الله تعالى ﴿وإن فئتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، وقال أيضا ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم، ويوم حنين أنزل ﴿ثم وليتم مدبرين ويوم أحد ﴿ثم عصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة وقال ﴿فمالكم في المنافقين من فئتين والله أركسهم ففي كل هذه المواضع لم يمسك الله عما شجر بين الصحابة، والقرآن مليء بما هو ضد الإمساك عما فعله الصحابة من خير أو شر، والنبي أيضا صلى الله عليه وسلم أخبر عن أمور غيبية أشهرها حديث ((عمار تقتله الفئة الباغية))، وحديث الحوأب وهنا أيضا لم يمسك، ومثل حديث الزبير ((تقاتل عليا وأنت له ظالم))، ومثل حديث الخوارج، والصحابة موجودون في الخوارج، وفي البغاة، وموجودون في أصحاب علي، طبعا كثرتهم أهل بدر والرضوان مع الإمام علي، وإنما كان في الخوارج أناس مثل زيد بن الحصين الطائي، وزهير الثعلي، وهما صحابيان، فابن تيمية والسلفية والغلاة، يذمون الخوارج كلهم، ولا يمسكون عنهم مع أن فيهم صحابة! فقط الإمساك عن معاوية! هم يريدون إذن بالإمساك عما شجر بين الصحابة حماية معاوية، أيضا المرتدون كان فيهم صحابة، معلم مسيلمة الذي شهد له بالنبوة الرجال بن عنثوة كان صحابيا، والشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله يقول عنه كان من عباد الصحابة وفقهائهم، طيب هذا ارتد ووقف مع مسيلمة، فهل نمسك عنه؟! فالمقصود أن الوعي التاريخي مهم لأنه هو الذي يجعلك تتقي ولا تقتل ولا تظلم، وهو ضروري لأن الظالمين قد أدخلوا شرعهم في شرع الله، فأصبحنا نظلم بظلمهم، ونصدق رواياتهم، وبنوا عقائد كبيرة مثل الجبر والإرجاء، الآن تأتيك أحاديث تنتهي بك إلى الجنة، وأحاديث تنتهي بك إلى النار، وكلها من إنتاج الظالمين، وليست وفق القرآن، القرآن له ميزان، فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، ومن خفت موازينه فأمه هاوية، هذا هو ميزان القرآن، فالنبي لم يمسك، وعندما نقول سنمسك نحن، نجد حديثا مثل “عمار تقتله الفئة الباغية”  في صحيح البخاري، فما الحل؟ أن نقول للنبي ليس من المناسب أن تذكره يا  سول الله؟!، أم نقول ما ذكرته إلا لحكمة، ولكي نستفيد، ونعرف من هم دعاة النار، ودعاة الجنة، كذلك فإن معرفة المجرمين أهم من معرفة الصالحين، لماذا؟ لأن الصالحين يكفي أن تعرف منهم نبيا واثنين وثلاثة، أما المجرمون، فإذا غفلت عن أحدهم أدخل شريعته في شريعة الله وأنت لا تدري، مثلما أدخلت شريعة القسري، وصار يتغنى به في القصائد العقدية، ويدرس، أصبح هذه الشراهة للقتل والاعتداء، والفخر بأنه ليس هناك أحد مثلنا، والباقي أهل بدع وضلالة، يدخلون النار، ونحن ندخل الجنة، هذا إنتاج سياسي،  فالقضية المعرفية مترابطة، وصدقني إذا عرفت الصالح، ولم تعرف المجرم، لم تستطع أن تجد سبيل الحق، والله إذ يبتليك بهذا الذي تحب، هل تذم فعله، أم تجعله أعلى من النص؟ وترفض في سبيله كل آية في ذم الظالمين، أو كل حديث في وصف البغاة ودعاة النار والتحذير منهم، هذا ابتلاء كبير، وليس سهلا، فلذلك يحاربوننا هذه المحاربة.
 
الإسلام والرق
 
< تطرقت إلى قضية الاسترقاق في الإسلام، وقلت إن الإسلام ليس فيه رق؛ ألا يعد هذا الرأي مخالفا لما هو معروف لدى عموم المسلمين وعلمائهم؟
 
-      لم يأت الإسلام بالرق، وربما تأخرت الآية في تحريمه، بعد سورة محمد ونزول قوله تعالى ﴿فإما منا بعد وإما فداء صار الأسرى لهم خياران فحب إما أن تمن عليهم، أو تفتديهم، لا يوجد وإما استرقاقا، لكن السلاطين ماذا فعلوا هم ووعاظهم؟ قالوا ﴿إما منا، تعني إما منا أو استرقاقا، فقسموا الخصلة الأولى إلى قسمين، حتى يتمكن الحكام والسلاطين من أخذ هذه السبايا الكثيرة التي تأتي من المشرق والمغرب، لذلك يجب أن ننفي هذا الأمر عن الإسلام.
 
< ألم يكن هناك سبي واسترقاق في عهد الصحابة رضي الله عنهم، قبل عهد السلاطين الذين تحدثت عنهم؟
 
-    طبعا كان هناك رقيق كثير، بمعنى أن هذا الرقيق حث الإسلام على تحريره، فلو حرروا جميعا ربما ليس مناسبا، لأنهم يتحولون إلى عالة على المجتمع، لكن إذا تزوجت قينة، يجب أن تستأذن أهلها، بدليل قوله تعالى ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن هذه الآية في سورة النساء تدل على وجوب أخذ إذن أهاليهن، وهو ما يعني عدم استرقاقهن ضرورة،  أما متى لا يؤخذ إذن القينة، فعندما تكون مقطوعة مثلا، وتريد أن تتزوج، فإنها تختار عندئذ وليا من المسلمين يدافع عنها، ويقبض عنها المهر ويعطيها إياه، هذا الشرع، أما الواقع في الإسلام لا، بل تأتي السبايا من الشرق والغرب، ويدخل عليهن مباشرة، بدون إذن أهلهن، فيجب إعادة تصحيح المفاهيم بحيث يكون الواقع الإسلامي تحت القرآن، وليس الواقع الإسلامي فوق القرآن الكريم، القرآن هو النور الكاشف.
 
المناهج الدراسية
 
< أنتقل بك إلى قضية المناهج الدراسية التي تعني بها أنت منذ التسعينيات الميلادية، الآن كيف تراها؟ وهل تشعر بوجود فروقات؟
 
-      لم أقرأ آخر طبعة، لكن في الجملة الغلو يأبى أن يخرج من المناهج الدراسية، كأن الغلو هذا أننا أفضل من غيرنا، وانتقاص الآخرين، أو تبديعهم أو تكفيرهم، كأنه أصل من أصول الدين، بينما أصول الدين الإسلامي تعرفها من خلال ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا بالله شيئا وبالوالدين إحسانا إلى آخره، و﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون وغيرها من الأوامر العامة، فالجوامع والقطعيات هي الإسلام، وهذا موجود في مقررات دول الخليج وهي سنية، فلماذا لا نستعير من هذه الدول بعض المقررات ونستفيد منها، فالمفروض بمقرراتنا التركيز على الكليات وعدم الغوص في الجزئيات،  لكن لدينا مشكلتان علمية وإدارية، المشكلة العلمية أن من يتولون أمر المناهج هم متمذهبون شاءوا أم أبوا، فإذا جاءهم تجديد لم يقبلوا به، والمشكلة الإدارية أن وزارة المعارف ليست لديها صلاحية المناهج الدينية، الصلاحيات في مكان آخر، يعني هم يؤلفون وهم ينتظرون ماذا سيقال، ويكتبون ما يرضي بعض الجهات، ولا أرى حلا لمشكلة المناهج إلا بتجديد فكري شامل، فمثلا “التوحيد” هو أن تعرف ان الله إله واحد، وبقية الأشياء لا دخل لها بالتوحيد، وإنما لها دخل في الإيمان، وذلك مثل الإيمان بالملائكة، والقضاء والقدر، هذه لا علاقة لها بالتوحيد، بل لها علاقة بالإيمان أو الثقافة الإسلامية، فالمفترض أن مقرر التوحيد يجعل خاصا باللفظة نفسها، وتضاف مقررات باسم الإيمان، والثقافة الإسلامية، والشؤون الاجتماعية، وهكذا، أما أن تحشر هذه جميعها تحت مسمى التوحيد، فلا.
 
أيضا في الحديث لا ينقلون المتواتر المتفق مع القرآن، وهذه مشكلة، فالقرآن في واد، والحديث في واد آخر، والمفروض أن يكون الحديث تحت القرآن، لأن النبي يبين ما أنزل عليه من ربه، ولا ينفرد عنه بثقافة، وإنما يبينه ويفصله.
 
السنة والتشريع
 
< يعني الحديث لا ينفرد بالتشريع؟
 
-     لا أنا عندي ما ينفرد بالتشريع، والآية الكريمة ﴿وما ينطق عن الهوى ليس المقصود بها الحديث وإنما القرآن، وأنا هنا أخالف الشيعة والسنة في مسألة عصمة الأنبياء، أنا لا أرى أن كل ما يلفظونه وحيا، فقد يحرم النبي بعض ما أحل الله له، فيعاتبه الله، وليس معقولا أن يكون قوله “العسل حرام علي” وحيا، ثم يقول الله ﴿لم تحرم ما أحل الله  لك فالحديث المبين الذي يأتي في ضوء القرآن مقبول، وأما أن تأتي بحديث في الذكر أو في فضائل الأعمال ينسف القرآن مثل من فعل كذا أو كذا غفرت له خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، هذا يختلف مع القرآن، وأحيانا قد يكون الحديث أوله صحيح، ونهايته باطلة، مثل من سبح الله ثلاثا وثلاثين غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، التسبيح في البداية صحيح لكن غفرت له ذنوبه يناقض القرآن، فمفاهيمنا خاصة في الترغيب والترغيب سخفت العدل الإلهي، وجعلته عبثيا، بينما الله عز وجل أحكم الحاكمين ولا يظلم أحدا.
 
< في قولك بعض الأحاديث أولها صحيح وآخرها باطل، كأنك تدعو إلى نقد الأحاديث من خلال المتن، وليس من خلال السند، كما هو المعروف في علم الحديث، هل أنت تقول بهذا؟
 
-     نعم لأن بعض الأحاديث جزء منها يشبه القرآن، وجزء منها لا يشبهه، فخذ ما يشبه القرآن، ودع ما لا يشبهه، لأن المحدثين والبسطاء تلقوا من المنابر الأموية والمنابر العباسية، وكانوا يزيدون.
 
الجرح والتعديل
 
< حتى لو كان الحديث في الصحيحين، وكان رجاله ثقاة ومتصل السند؟
 
-     نعم لأن التوثيق والتجريح معظمه مذهبي، وليس علميا، وجرى تحت الظل السياسي، وهذا وجد في عهد هارون الرشيد، وفي عهد المتوكل، الذي صار حتى البخاري في عهده مضعفا، ومتروك الحديث عند أبي حاتم وأبي زرعة، إذا فالتجريح مذهبي وليس علميا، التجريح العلمي يجب أن تعرف هل فلان يصدق أو يكذب فقط، بغض النظر عن المذهب.
 
وهناك من وثقوا وفيهم حديث، فعروة بن الزبير مثلا أنا ما أثق في روايته أن عائشة رضي الله عنها تزوجت من النبي، وعمرها تسع سنين، فبالبحث التاريخي وجدت أنه مفترى هذا الكلام على النبي عليه الصلاة والسلام أنه تزوج طفلة عمرها ست سنين، ودخل عليها وعمرها تسع سنين، أجدها أسلمت مع أبيها، وهاجرت، فتوثيقنا الأحمق لكل من وثقهم أهل الجرح والتعديل المتأثرين بالظرفية السياسية، يخلق مشكلة كبيرة، ونحن في حاجة إلى بعث الجرح والتعديل من جديد.
 
انحسار الصحوة
 
< بصفتك عاصرت مرحلة الصحوة، وكنت شاهدا عليها، لماذا انحسرت برأيك؟
 
-    الصحوة في معظمها كانت مذهبية، وعندما أقول مذهبية أعني أنه غلب عليها التحزب، وأنا كنت من الصحوة، وكنت ممن تظاهر عند قيادة النساء للسيارات، ثم اكتشفت فيما بعد أن الباحث لابد أن يخرج من الصحوة، ويكون فردا، فالباحث العلمي لا يحب الجماعات، ولا أن يكون متحزبا، إنما يحب التغريد وحده، فالصحوة شكلت دعاة، كأنهم الناطقون عن الله، كنا نحبهم حبا شديدا، ونتألم إذا خطئوا، وظهر لهم خصوم اسمهم الجامية أيضا هم نفس الشيء متحزبون، وكان الواجب أن يخضع الفريقان لقطعيات الكتاب ومشتركاته، ويراقبوا أنفسهم، والصحوة اصطدمت بالدولة، ما أدى إلى حوار، فالصحويون أظهروا نصوصا ظاهرها يبدع المحافظين، وهؤلاء أظهروا نصوصا ظاهرها يبدع الصحويين، والتراث السلفي فيه كل هذا فيه الحزبي، وفيه المطيع، وفيه الثائر، فكل سلفي إذا ثار كتب عن فضائل الثورة، وإذا أطاع كتب عن فضائل الطاعة، إذن فالتراث السلفي متناقض، ولهذا يجب أن يكون تحت الشرع، وأن لا نتكسب بالدعوة ونطلب بها الجمهور، وإنما تكون لله.
 
< الدكتور عبدالعزيز الخضر مؤلف كتاب السعودية سيرة دولة ومجتمع حين تحدث عن التنوير المحلي، تطرق إلى حسن بن فرحان، وقال عن كتاباتك إنها تصب في اتجاه تنويري، لكنها تنتهي إلى طريق مسدود، وأصولها المنهجية غير تنويرية، كيف ترى هذا التقييم؟
 
-   ربما بنى هذا الرأي على كتاباتي القديمة، لكن الآن لما انفتحت على القرآن الكريم وتدبرته، وجدت أن القرآن عالمي، ورحمة للعالمين، فصارت نظرتي إنسانية عالمية، أكثر منها مجادلة داخل المذهب، وكنت في السابق أتحرج حين أنقد المناهج والواقع السلفي، من أنقل لهم خارج ما يعرفون فكنت آتي بحديث وبآية وهكذا، لكن الآن لا، صرت آتي بآية وأنسف بها أحاديث كثيرة، فهذا أكثر تنويريا إن صح التعبير، فنقد عبدالعزيز يصدق على بعض فتراتي دون بعض.
 
عبدالله العروي
 
< الخضر ذكر أيضا أنك كنت جاهلا بالأعمال الفكرية لبعض المفكرين العرب في التاريخ، مثل عبدالله العروي؛ فهل لا زلت على جهلك هذا، أم أنك انفتحت على الفكر العربي؟
 
-  هو ليس من الضروري أن تقرأ العروي حتى تعرف ما هو التاريخ، نعم صحيح عندما تطلع على النظريات وما كتبه المعاصرون جيد، لكن ليس بالضرورة أن تقرأ لهم، لأن عندهم نقص أيضا، وأنا استخرجت من أهمية التاريخ أفضل مما استخرجه العروي، فلذلك العروي أو شحرور أو الجابري هم يميلون للتنظير، والأخير قرأت له وأميل إليه، فهو يوظف النص الواحد في حوالى خمسين صفحة، أما أنا فأجعل أربعين صفحة في النصوص، والعشرة الأخيرة في الاستنتاجات، بعكس الجابري، فأنا لا أحب الإغراق في التنظير والمطولات، أنا أريد أن أدخل في الموضوع مباشرة، خاصة أنني أزعم أنني أكثر إلماما بالتاريخ منهم، فلا يوجد كتاب فيه حدثنا وأخبرنا إلا وقرأته سواء كان في  الحديث أو في التاريخ أو في الأدب، أما هؤلاء الذين يرشدني إليهم الدكتور الخضر، فلا أراهم لصيقين بالتراث أكثر مني، ربما هم أكثر تنظيرا، والنظريات لا نهملها، لكن لا نجعلها شرطا للقراءة الواعية.
اضف هذا الموضوع الى:
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3295211