قصة الاعتراض على «البرقية» وتحذير الملك عبدالعزيز «لا تدعوني أهز رأسي»
صوت الأخدود - 8 / 10 / 2013 م - 11:56 ص

استعرض الكاتب سعود المطيري في ذكرى توحيد المملكة جزء مقتطف من تاريخ بلادنا في عهد المؤسس الملك عبالعزيز هذا الجزء يتعلق باعتراض بعض المتشددين على دخول البرقية للمملكة وكذلك السيارة والمذياع والساعة في ذلك الوقت واعتبارها صناعات شيطانية وفيما يلي الحلقتين التي نشرتهما جريدة الرياض مؤخرا:

دعونا نبدأ بمقدمة أو نبذة عن البرقية وهي الثورة الجديدة التي بدأ استخدامها مع بدايات القرن الميلادي الماضي لإرسال نصوص تعتمد على ترميز الحروف بنبضات كهربائية أو كهرومغناطيسية تستلم بواسطة مستقبلة لا سلكية على شكل شفرات تحول بعد ذلك إلى نصوص مقروءة قبل ان تتطور إلى برق لاسلكي. وشكل استخدامها منعطف تاريخي في مجال الاتصال السريع وتقارب المسافات وهي أول تقنية اتصال وظفها الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه لخدمة امن البلد ورصد تحركات الأعداء إضافة إلى تناقل الأخبار المهمة في مرحلة مبكرة عند ما وقع مع إحدى الشركات الأجنبية مشروع إنشاء محطتين كبيرتين للبرق اللاسلكي في مكة والرياض إضافة إلى أربع محطات متحركة انطلقت منتصف سنة 1932م لتستقبل في عدد من المدن والأقاليم والنقاط الأمنية المهمة على خارطة البلاد وقبل هذا كان الملك عبدالعزيز قد بدأ تجاوز صعوبات الفهم الحقيقي لماهية هذه الأجهزة وآلية عملها من العامة مثل الكثير من الصناعات والتقنيات التي لم تستوعبها فطرة أو عقلية ابن الصحراء البسيط الذي نأت به عزلة صحرائه عن كل ما هو جديد حتى وقف منها موقف الرافض المجابه أحيانا خصوصا بعض المتحمسين الذين قرنوا آلية عملها بالجن والشياطين وروجوا لعامة الناس أن هذه الأجهزة لا تعمل الا بعد ما تذبح لها القرابين التي تنحر نحو الشرق دون أن يذكر عليها اسم الله ومثلهم بعض طلبة العلم المجتهدين الذين ان لم يرفضوها على هذه الصورة رفضوها كبدعة من صنع الكفار، وسنورد في حلقة قادمة تفاصيل ما ذكره المؤرخ حافظ وهبة عن ذهاب بعض هؤلاء إلى ما هو ابعد من ذلك وهم يفتشون عن بقايا عظام هذه القرابين قرب محطاتها وسؤال العاملين بها عن مكان وجود الشيطان الأب وهل هو موجود في مكة أم يقيم في الرياض بعد ما ذكر في كتابه (جزيرة العرب في القرن العشرين) أن الملك ظل يجاهد ويجالد لأكثر من عشر سنوات مرة مع المتشددين ومرات أخرى مع حركة الإخوان في سبيل إقناعهم بأنها مجرد صناعة عقول لا علاقة لها بالجن أو البدع المحرمة مثلها مثل البندقية والمنظار والصناعات التي يتقوى بها المسلمون وتخدم قضاياهم ثم ذكر (وهبة) جانبا من الضغوط التي كانت تمارس على الملك لمحاولة ثنيه عن اتخاذ مثل هذه الخطوة والموقف الواضح والصارم للملك جهاز البرقيةومنها ما ذكره نصا في قوله : بعض رجال الدين حضروا عند الملك عبدالعزيز سنة 1931م لمّا علموا بعزمه على إنشاء محطات لاسلكية في الرياض وبعض المدن الكبيرة في نجد. فقالوا له : يا طويل العمر لقد غشك من أشار عليك باستعمال التلغراف وإدخاله إلى بلادنا وإن (فلبي) سيجر علينا المصائب ونخشى أن يسلم بلادنا للإنجليز فقال لهم الملك: لقد أخطأتم فلم يغشنا أحد، ولست ولله الحمد بضعيف العقل، أو قصير النظر لأخدع بخداع المخادعين، وما «فلبي» إلا تاجر وكان وسيطا في هذه الصفقة، وإن بلادنا عزيزة علينا لا نسلمها لأحد إلا بالثمن الذي تسلمناها به - إخواني المشايخ أنتم الآن فوق رأسي. تماسكوا بعضكم ببعض لا تدعوني أهز رأسي فيقع بعضكم أو أكثركم وأنتم تعلمون أن من وقع على الأرض لا يمكن أن يوضع فوق رأسي مرة ثانية .. مسألتان لا أسمع فيهما كلام أحد، لظهور فائدتهما لي ولبلادي ( المقصود اللاسلكي والسيارة ) ، وليس هنالك دليل من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنع من إحداث اللاسلكي والسيارات ( انتهى ).

ومع أن العام 1932 م عده المؤرخون اول تدشين رسمي للبرق اللاسلكي الا ان الرحالة الدانمركي باركلي رونكيير ذكر أثناء عبوره الرياض سنة 1912م أن الملك عبد العزيز ادرك جيدا أهمية هذا الجهاز فاستعان به في وقت مبكر في فتوحاته قائلا : «طبقا لمعلومات حصلت عليها من أصدقاء الإمام فهو حاكم محارب وشجاع وقد قيل إنه أغضب المتزمتين من أتباعه باستخدام الغرامافون في معسكره».

المستشرق الانجليزي المعروف عبدالله فيلبي صاحب أو وسيط الشركة صاحبة الامتياز التي أوكل لها تنفيذ المشروع نقل صورة أخرى مختلفة قليلا للمشهد وهو يشير إلى قبول أو تفهم نسبي من بعض المعارضين وقال في كتابه العربية السعودية : لم تكن المحنة التي واجهها ابن سعود في الرياض محنة قاسية ، حتى لو أنه سمع بالفعل نقدا صريحا بسبب الابتكارات التي جلبها من الحجاز. حيث إن مهارته في التعامل مع أهالي نجد وكذلك بلاغته في التعبير لم تترك مجالا للشك بأن محدثيه ومحاوريه المتلهفين والتواقين سيقرون سياسته في النهاية ويصادقون عليها. جدير بالذكر هنا أنه إذا استدعى حدث ما .. الخطابة ، فكان ابن سعود يرتقي إلى أعلى مستويات الخطابة .

المؤرخ حافظ وهبة
المؤرخ حافظ وهبة

ولم يشر فيلبي إلى جملة التكاليف وقيمة عقد التنفيذ في حينه الا انه وبعد خمسة وعشرين عاما ذكر في كتابه أربعون عاما في البرية والذي طبع في انجلترا سنة 1957م ما نصه : عندما تجسدت فكرة إقامة شبكة اتصالات لاسلكية قبل حوالي (25) عاما وغالبا ما كنا نسمع تلك القصة من الملك نفسه اذ اطلعنا كيف أن شركة معينة كان كفيلها من المتنفذين تقدمت بعرض قيمته ( 65 ) ألف جنيه استرليني وذلك لتقديم المعدات والقطع اللازمة للمشروع وقال ابن سعود أيضا ان جون (عبدالله) فيلبي تقدم بعرض نيابة عن شركة ماركوني لتنفيذ هذا المشروع بمبلغ (36) ألف جنيه إسترليني وبذلك وفر علينا الكثير من المال .

الحلقة الثانية

تشير كتابات بعض الرحالة والمؤرخين بأن فترة ما قبيل معركة السبلة سنة 1347هـ شكلت فترة الاحتقان الحقيقي لبعض المتحمسين الذين أنكروا استخدام البرقية بالاضافة لصناعات أخرى ضمنها السيارة والمذياع والساعة بدعوى كونها صناعات شيطانية ووصل الامر إلى مهاجمتها من بعض المغالين وتخريبها في بعض المعسكرات فكان هذا الامر ضمن الاسباب الرئيسية التي دعت الملك لطلب عقد مؤتمر الرياض (مؤتمر الاخوان) سنة 1928م والذي جاء فيه الشرط الثاني من الشروط الثلاثة للإخوان وفق ما ذكر المستشرق الانجليزي ديكسون (الكويت وجاراتها) ينص على منع استخدام السيارات والبرق اللاسلكي وغيرها من الاختراعات التي يرون تعارضها مع الدين وقال: وافق الملك على المطلب الاول المتعلق بالغاء الضرائب أما الثاني فرد بأنه يعتبر مثل هذه الاشياء أدوات نافعة حقا لكل مؤمن.

من اخوياء الملك عبدالعزيز
فيلبي

من جهة أخرى يذكر المؤرخ حافظ وهبة وهو يتحدث عن جانب آخر من الصعوبات التي واجهت الملك عبدالعزيز أثناء محاولته إدخال بعض الصناعات والتقنيات الحديثة. يذكر حادثه طريفة كتبها على النحو التالي : أوفدني الملك للمدينة سنة 1928م مع عالم كبير من علماء نجد للتفتيش الإداري والديني، وأثناء الرحلة جرى ذكر التلغراف اللاسلكي، وما يتصل به من المستحدثات، فقال لي الشيخ : لا شك أن هذه الأشياء ناشئة من استخدام الجن، وقد أخبرني ثقة أن التلغراف اللاسلكي لا يتحرك إلا بعد أن تذبح عنده ذبيحة، ويذكر عليها اسم الشيطان. ثم أخذ يذكر لي بعض القصص عن استخدام بني آدم للشيطان، ولم يفلح شرحي لنظرية التلغراف اللاسلكي وتاريخ استكشافه في إقناع الشيخ المتحمس، ولم أجد أي فائدة من وراء البحث. فسكت على مضض.

وفي يوم من الأيام دعاني الشيخ لمرافقته لزيارة قبر حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم عند جبل أحد في المدينة المنورة فلبيت الدعوة وفي أثناء الطريق أوقفت السيارة عند محطة التلغراف اللاسلكي، وهنا دار بيني وبين الشيخ الحديث التالي :

سأل الشيخ: لماذا أوقفت السيارة؟ فأجبته: لنرى التلغراف اللاسلكي، فإن كان هناك ذبائح ودعوة لغير الله، فإني سأحرقه مهما كانت النتيجة، فالدين لله لا لابن سعود، وقد يكون الملك مخدوعا في أمر هذه التلغرافات، وتذكر له الأشياء على غير حقيقتها. فقال الشيخ: بارك الله فيك. فدخلت المحطة، وبعد البحث لم يجد الشيخ أي أثر لعظام الذبائح وقرونها أو صوفها، ثم أراه الموظف المختص طريقة المخابرة، وفي دقائق تبودلت المخابرات والتحيات بينه وبين جلالة الملك في جدة.

كانت هذه الزيارة البسيطة مدعاة للشك في ما كان يعتقده من عمل الشيطان في المخابرات اللاسلكية، ولكنه ظن أنني ربما دبرت هذه الحيلة بإيعاز من الملك، فزار الشيخ محطة التلغراف بضع مرات منفردا في أوقات مختلفة، بدون أن يخبر أحدا بعزمه، فكان يفاجئ العامل المختص بالزيارة، ويسأله عن كل ما يخفى عليه، وقد أخبرني الشيخ ونحن في طريق عودتنا إلى مكة، بأنه يستغفر الله ويتوب إليه مما كان يعتقده ويتهم به بعض الناس وربما كان يقصدني بذلك ثم ختمت الموضوع بقولي: ما قولكم يا حضرة الشيخ في رواية أولئك الثقات؟ أخشى أن تكون رواياتهم لكم عن أكثر المسائل العلمية كروايتهم عن التلغراف! فقال: حسبي الله ونعم الوكيل.

انجليز
تدشين أول جهاز للبرقية بالعالم

وقد أخبرني عامل المحطة بأن بعض المشايخ الصغار كانوا يترددون عليه من وقت لآخر لسؤاله عن موعد زيارة الشياطين. وهل الشيطان الكبير في مكة أو الرياض؟ وكم عدد أولاده الذين يساعدونه في مهمة نقل الأخبار؟ فكان يجبيهم بأن ليس للشياطين دخل في عمله، وكان بعضهم يغريه بالنقود وأنهم سيكتمون هذا السر. ولكن العامل كان يأخذ الأخبار ويرسلها أمامهم ويخبرهم أن الموضوع صناعي محض. كانت الأيام تعمل عملها في نفوسهم، ورسلهم ينقلون إليهم حقيقة ما يرونه ويشاهدونه.

الانجليزي عبدالله فيلبي بعدما ذكر قصة توقيع عقد إنشاء محطتين لاسلكيتين في العاصمتين مكة المكرمة والرياض بقوله تعملان بقوة نصف كيلو واط في عدد من عواصم الأقاليم بالمملكة، وأخيرا التعاقد على تركيب أربعة أجهزة متحركة بقوة نصف كيلو واط ليتم أخذها مع الملك وكبار الشخصيات من مرافقيه أثناء ترحالهم».

يضيف في كتابه حاج في الجزيرة العربية بعد فترة من توقيع العقد صورة أخرى للتراكمات وربما الصعوبات المالية التي كادت تعطل هذا المشروع في قوله : لعدة شهور بعد وصول المهندسين والأجهزة لم يتم شيء لبناء المحطة المراد بناؤها، إذ إن كل الطاقات كانت مبذولة في انتقال للأجهزة المتحركة. وبعد حين من الزمن تمكنّا من استصدار أوامر من فيصل بنقل جهازين متحركين إلى الرياض، ونقل الاثنين الآخرين إلى الطائف. وتم تنفيذ هذه الأوامر، وفي التاسع عشر من أغسطس كان الجهازان المتحركان في الرياض على اتصال بالآخرين في الطائف.

لقد انفعل رجال الطائف انفعالا شديدا بهذا الحدث التاريخي، مما حدا بهم لإرسال عدة برقيات تهنئة إلى الملك. أما في الرياض (وبالرغم من المعارضة الخفية لهذا الاختراع) فإنه بدا كأن الاتصال كان هناك منذ قرون طويلة فلم يكن هناك صدى لهذا الحدث التاريخي، بل إن البرقية الصحفية التي أعددتها لترسل إلى «الديلي هيرالد»، معلنا فيها إمكانية اتصال العاصمة السعودية ببقية العالم، ظلت حبيسة وقتا طويلا جعل إرسالها بعد ذلك شيئا لا معنى له.

من جانبه فان صاحب السمو الملكي الامير طلال بن عبدالعزيز الذي أعاد تأهيل أو احياء اول برج برقي اقيم في العاصمة الرياض بعد 80 عاما سبق ان ذكر في لقاء للشرق الاوسط أن فيلبي اقترح على الملك عبدالعزيز جلب خبراء لتشغيل البرقيات من الخارج، لكن الملك قال له: بل نرسل من أبناء البلاد من يتعلم هذه المهنة لدى شركة ماركوني في انجلترا.

وتم بالفعل ابتعاث مجموعة منهم - محسون حسين أفندي، وإبراهيم زارع، وإبراهيم سلسلة، وقد لاقى هؤلاء صعوبات في كونهم لا يجيدون اللغة الانجليزية. ثم أرسلت بعثة أخرى من أعضائها احمد زيدان الذي شغل بعد ذلك منصب وكيل وزارة المواصلات في السعودية.

اضف هذا الموضوع الى:
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3299558