نجران.. مكفوفون يقاومون «الإعاقة» بـ«استراحة»
صحيفة الوطن - « سلمى الصالح » - 12 / 5 / 2013 م - 2:14 م

على الرغم من عدم رؤيتهم للحياة كما يراها الآخرون ولا وجود للألوان في حياتهم سوى اللون الأسود، إلا أنهم أصروا على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، وتحدي العديد من الصعاب التي تواجههم، وأولها عدم وجود أماكن خدمية أو ترفيهية تناسب احتياجاتهم. إنهم مجموعة من شباب نجران المكفوفين الذين قرروا تأسيس «استراحة المكفوفين» لتكون هجيرا يلقون فيه بآلامهم ومتاعبهم اليومية بعيدا عن أعين المتطفلين، وتكون صرخة صامتة في وجه المجتمع.

يقول ماجد القارح «كفيف»: «كنا عبارة عن مجموعة من المكفوفين يقارب عددنا العشرة ويرافقنا الزميل سالم الحارث (مبصر)، كنا نبحث عن مكان مخصص لنا بعيدا عن نظرة الناس الدونية والتي تشعر الكفيف دوما بالنقص والعوز، ففضلنا أن نلتقي أسبوعيا في بيت أحدنا أو في أحد المتنزهات أو المقاهي للترفيه عن أنفسنا والتخلص من الضغوط النفسية التي تواجهنا في الحياة اليومية، إلا أننا كنا نشعر بقليل من الإحراج لبعض التعليقات الجارحة التي كان يرميها علينا بعض الأشخاص، ومن هنا جاءت فكرة أن نستأجر استراحة خاصة بنا طوال العام تكون مجهزة بوسائل وإن كانت بسيطة إلا أنها تعني لنا الكثير، وبالفعل وجدنا مكانا مناسبا وبدأنا بتنفيذ الفكرة».

كفيف بالمطبخويقول معلم التربية الخاصة علي عبدالله آل سليم «كفيف»: «حاولنا جاهدين أن نوفر في استراحة المكفوفين كل ما يلزم من أجل أن نمضي أوقات ممتعة، وهي كأي استراحة أخرى نعد فيها القهوة والشاي بمساعدة زميلنا المبصر، ونتابع فيها البرامج التلفزيونية ومباريات كرة القدم بصوت واضح ومسموع يتناسب مع إعاقتنا، بعكس ما كان في الماضي، حيث كنا نعاني في المتنزهات من الضجيج الذي يمنعنا من السماع وفهم ما يدور فيما نشاهده. كما تحتوي الاستراحة على عدة وسائل للترفيه كلعبة (الدومينو)، ونقسم أنفسنا في لعبها إلى مجموعات بحيث يكون في كل منها مبصر أو معاق حركي. ولم تتوقف محاولات كسر العزلة عند التجمع في الاستراحة بل امتدت إلى إنشاء مجموعة خاصة بهم على برنامج (واتس أب) للتواصل من خلاله ببرنامج ناطق».

التهميش وأثره النفسي

ويقول محمد قادر محسن، بكالوريوس تربية خاصة (كفيف) عن تجربته فقال: «أحيانا كثيرة أكون موجودا مع أبي أو أخي عندما يأتي شخص ما فيسألهما عن أمر يخصني متجاهلا وجودي مما يجعلني أصرخ غاضبا أنا أعمى ولكني لست أصما أو أبكما». ويتابع: «نواجه مواقف عديدة تجرح مشاعرنا من بعض الناس الذين ينتقصون من قدر الكفيف متجاهلين أحاسيسه ومشاعره وقدرته على أن يكون عضوا فاعالا في المجتمع, وأعمل في برنامج (دمج المكفوفين)، وهذا البرنامج فتح مجالات كثيرة أمام الطلاب وكان البديل الأفضل لعدم اغتراب الطالب الكفيف عن أهله».

ويقول محمد القارح: «إن مظهره الخارجي لا يدل على أنه كفيف وذلك يضعه كثيرا في مواقف محرجة».. وتابع: «كنت مسافرا مع زملائي إلى مدينة الدمام ووصلنا لأحد المحطات ودخلنا أحد البقالات للتبضع وبينما أنا في الداخل خرج أحد إخواني وحرك السيارة من مكانها إلى جهة أخرى، وأنا خرجت قبلهم معتمدا على ذاكرتي على أساس أن السيارة موجودة أمامي، وبالفعل وجدت سيارة وفتحت الباب وجلست أنتظر، والواقع أني كنت في سيارة أخرى ولم أدرك ذلك إلا بعدما فوجئت بصاحبها ينهال علي بالضرب والشتائم، وحاول إخواني وزملائي إفهامه بأني أعمى ولكنه لم يصدق وقال أنتم تكذبون شكله ليس أعمى، واستدعى الشرطة وأخذتني الشرطة وتحققوا بأني أعمى بالفعل ثم تركوني».

أما سالم حمد بالحارث، معلم رياضيات «مبصر» فيقول: «تعرفي على هؤلاء المكفوفين شكل نقلة نوعية في حياتي فالنظر إليهم والتعايش معهم يعطيك شعورا بالأمل مهما ساءت الظروف». وأشار إلى أن علاقته في البداية معهم كانت مجرد صداقة في المدرسة وتطورت إلى أن أصبح مرتبطا جدا بهم ويرافقهم في أغلب الأوقات، كما أصبح هو العين التي يرون من خلاله العالم الخارجي.

وعن أهم المواقف التي أثرت فيه قال: «كنا نجلس معا وأراد أحدهم مغادرة المكان فاتجه إلى الباب ظنا منه بأنه مفتوح ولكنه اصطدم بالباب بشدة وتألم كثيرا وذلك أثر فينا جميعا». وأوضح أن من أجمل اللحظات التي يتشاركها معهم عندما يجتمعون لمشاهدة المباريات واجتماعهم حوله عند تسجيل هدف وهم في قمة الحماس ليشرح لهم كيفية إحرازه.

ويضيف ماجد القارح (كفيف): «من أجمل اللحظات التي نحب أن نتشارك فيها، هي زواج أحد المكفوفين سواء من الاستراحة أو من خارجها، حيث نحرص على الاجتماع والذهاب إليه بمساعدة مجموعة من المبصرين لنشاركه وندعمه ونقدم له الدعم المادي».

من جهته أكد المدير التنفيذي لجمعية الأمير مشعل (شمعة أمل) حمد آل مسعد، أن الجمعية تولي تلك الفئة «المكفوفين» جل اهتمامها ومن أهم وأبرز ما تقوم به هو دعمهم وتهيئتهم وكذلك تهيئة أسرهم وتعريفهم بطريقة التعامل مع ذوي الإعاقة البصرية، إلى جانب تقديم المعونات للمكفوفين مثل: عصى برايل وساعة المكفوفين وكاشف الألوان والأجهزة التي تسهل بدورها حياة الكفيف اليومية، كما تحرص الجمعية على تفعيل الأنشطة والملتقيات الثقافية والترفيهية إلى جانب عمل دورات تعليمية كدورات في الحاسب الآلي ودورات في تعليم اللغة الإنجليزية وغيرها من البرامج التي تؤهل المكفوفين وتساعدهم معنويا ونفسيا.

وأكد الأخصائي النفسي والمستشار الأسري، صالح عبدالعزيز دردير، أن أكثر ذوي الاحتياجات الخاصة يتميزون بجانب من الذكاء والإبداع، لافتا إلى أنه لا بد من استغلال هذه النقطة بشكل إيجابي من خلال المراكز العلمية والتربوية التي تؤهل الكفيف.

اضف هذا الموضوع الى:
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3326575