« قلق أبيض »
مانع دواس * - « صوت الأخدود » - 20 / 9 / 2012 م - 1:39 ص

واحدة  اثنتان ثلاث سبع ..الخ . ثم طردت الفكرة بأن حاولت حساب المسافة بين كل لمبة بيضاء وأخرى .
 داخليا وبشكل موارب كنت أخشى أن أقوم بهذا التصرف الحسابي، ففعلت. هو بالنسبة لي فأل سيء، لا أريد بأي حال كان أن يحضر في مثل تلك اللحظات؛ حين كنت استدعي من الذاكرة أياماً سيئة  مضت.

كنا نجلس على كراسي خلفية لسيارة كهربائية ولا نرى سوى ما ترميه وراءها، المحرك الكهربائي الصغير ذاك ينهب  بنا الممر السفلي  إلى الأمام ونحن مثبتي الأعين نراقب فقط ما قطعه من مسافة حيث هو خلفنا يخترق الأفق ويتركه لنا لنتحققه، ولم يكن من ثمّة طريقة لمعرفة كم مضى علينا سوى عد اللمبات البيضاء المثبتة في السقف. وهي الشيء الوحيد المكرر مئات المرات  في ذلك النفق.. حيث كل الجدران بلون أبيض، كذلك السقف وبطبيعة الحال اللمبات.. استطعنا أن نعرف أن الفرق بين كل واحدة وأخرى مساحة ثلاثة أمتار. وعليه نقيس المسافة التي لم تكن تهمنا في شيء، فنحن في الأخير سنصل وجهتنا التي لم يكن لنا خيار في كلا وجهتي ذهابها وإيابها. تماماً كما كان ذلك المكان فالطريق من غرفة التجهيز للعملية حتى غرفة العمليات طويل  على المريض كدهر. بِدءْ الأمر لحظة دخولي غرفة التجهيز  ناوشتني نفسي لأتراجع. حتى حين نصل لآخر لحظة لا نستطيع فيها التراجع لا تزال النفس تحاول جاهدة ثنينا. لكني و حين أضحيت بهذا العمر بت  شخصا قادراً على أن يتحكم في نزواته، ويسيطر على أفكاره المتضاربة، هي أفكار لا نستطيع منع مجيئها لكنّا نسيطر عليها. طردتُ الفكرة، رغم أن طبيباً شعبياً سبق وأن عُدتهُ؛ حاول جاهداً إقناعي أن عمليةَ حجامةٍ بسيطة قادرة على فعل ما ستفعله عملية طبية معقدة. وكل ما في الأمر نتوء جلدي في أعلى الصدغ، يصيب الكثير من الناس وهو في تلك الحالة ليس بالشيء الجديد. تلك الفكرة هي ما شاغلتني عليه نفسي؛ أن أتراجع وآخذ بنصيحة الطبيب الشعبي. بيد أن الممرضة كانت تدفعني لحظتذاك في الممر إلى غرفة العمليات، وفي السقف تتدلى اللمبات البيضاء، وأنا أعد واحدة اثنتان ثلاث سبع، وطقطقة عجلات السرير المتحرك تحفر من فوق الأرض أسفلَ رأسي، قبل أن اطرد الفكرة  حين قمت برصد المسافة بين  كل لمبة وأخرى. وما هي إلا لحظات خلتها دهراً حتى وجدتني محاطا  بالعشرات من الجراحين و الأطباء والمساعدين المعالِجين في قسم العمليات.

 كنت نوعا ما مطمئناً، صليت جيدا ذلك اليوم وقرأت في سري ما أحفظ من الآيات القرآنية والأدعية، مردفاً بابتهالاتٍ هامسةٍ كانت مُنصبّة على جانب واحد؛ أن أكون أكثر هدوءاً، أما العملية فهذا شأن الطبيب، الذي أكدتُ في آخر موعد راجعته فيه على أن تكون عملية التخدير موضعية، فلا قِبل لي بأن يقوم أحدهم بإغمائي. أريد أن أرى وأن أسمع وأتكلم إن ألحّ الأمر، وهو ما لم يلزمني لاحقاً، رغم أن حديثهم الجانبي كان محل رصد إذني الركيكةَ اللغة الإنجليزية، إذ تلتقط كل حركة شفاه قريبة منها، هناك حيث يقوم الطبيب بغرز إبرته في صدغي لتخدير المنطقة محل الجراحة.

حين أدخلوني غرفة العمليات كنت قد بدأت استعد نفسياً لعملية التخدير، وأظنها كانت ستأخذ منهم وقتاً، خصوصاً وهم يركنوني خلف ستارة أطلّ علي من خلفها كل فريق العمل في ذلك القسم. منهم من سيكون معي في غرفة العمليات كما رأيت لاحقا ومنهم من هو منشغل بمرضى آخرين، بعضهم كرر علي الإطلالة وكأني مخلوق غريب. ذاك مما دعى الشك يتسلل داخلي، لمَ هم ينظرون بهذه الشراهة من الفضول، أحدهم حين انتهت مدة إقامتي القصيرة خلف ستارة الانتظار - حتى تفرغ غرفة العمليات من التجهيز- قال بكل هدوء وهو يمسك بيدي (في خاطرك شي..!) فهمتها فوراً، هو كان يقول (هل لديك وصيّة) في داخلي تحول الشك رُعباً وأني بلا جدال ذاهب للموت، رددتُ ببرود بأن (لأ) ..ما الفرق  أصلاً !. لا شيء إطلاقاً .! خصوصا وأني أصبحت مؤخراً أخوض بيني وبيني في جدلية الحياة والموت بشكل مكثّف ومزعج مذ حاذيت سن الخامسة والثلاثين، وأظن الأمر قد حان..!

هذه الدقيقة الفاصلة بين ركن الانتظار وسرير الجِراحة لن تفِ بما أريد قوله، رغم أنه بدالي وقتها أن لا شيء لدي لأتحدث عنه، وحتى الآن لو خُيّرت لما أظنني سأجد ثمة ما يقال.
حين كان جهاز مراقبة دقات القلب يطنُّ بانتظام ثم يتزايد طنينه تقفز إجابة إحدى المساعدات في الفريق حين سألتها قبل العملية (هل سأنزف دماً كثيراً) وردَّت بـ لأ.. فأردفتُ (وهذا يعني أن لا داعي لدفع قليلٍ أو كثير من الدم داخلي), فأكدَت بنعم.
لكن تسارع الطنين والجِلبةُ التي تحدثها تحركات الفريق داخل الغرفة يوترني، الخدر في الحقيقة بلغ أقصاه في صدغي فلم أعد أحس بشيء، كان قد أتى  بشكل مفاجئ، إذ لم يكن  من ثمّة حاجة للمرور بطبيب تخدير، التخدير يتم فوراً على سرير العملية نفسه. وهو – عملياً - الدقيقة الأولى لبدء العملية، الدقيقة الأولى التي لم أحسب حسابها.  وحين بلغ الخدر ما بلغه فإن أذني لا تزال  متأكدة من سماعه وهو يطلب مشرط الجراحة, ولكني لم  أحس سوى بيده تتحرك بهدوء لا أكثر..ولم أدرِ أكان أفقيا تحركه أم رأسياً.

 الطنين حين يتزايد يدفع إحداهن للتفريق بين قدميّ ألتي أركبتها فوق بعض وهي في امتدادها على السرير ومن ثم اضغط بشدة عليها. ذاك التوتر بدده سحابة من الضحك أطلقها الجراح حين كان يسأله أحد أفراد الفريق (هل آتي بمطهرات إضافية) وحين أجابه بنعم أردف ( بدون أوراق.!) ضحك الطبيب وهو يؤكد بأن نعم والأمر عادي. لم أعد استمع سوى للقهقهات التي يطلقها، ووددتُ لو أنها لا تتوارى وتخفت أمام ارتفاع صوت طنين مؤشر حركة القلب، فلا أريد أن يضطروا لدفع دمٍ داخلي وهم قبل أيام يُساءَلون حول مريضة دفعت حياتها ثمناً لخطأ تمثّل في تزويدها بدمٍ فاسد.
حين ظننتهم انتهوا رفعت الغطاء عن عيني وسألت الأقرب من المساعدين على يميني. (هل نزفتُ كثيرا) فرد بـ لأ..
حين كانت الممرضة تدفعني عائداً لغرفة التجهيز للعملية، كي أستريح قليلاً فيها قبل أن يحدد الطبيب مصير بقائي من عدمه في المستشفى، كنت أخوض نقاشاً حاداً معها حول كهلٍ مريضٍ رأيته ممدداً - وهو في حالة صحو - في غرفة الاستراحة التالية لغرفة العمليات، حين قالت أن عمره تجاوز المائة وخمسٍ وعشرين سنة كما هو مدوّن في سجلّه الطبي، وهو لا يعاني سوى من ماء أبيض في إحدى عينيه وقد تم سحبه، بينما رفض عملية جراحية لِعَينه الأخرى التي كفّت تماماً. معللاً بأن واحدة لو صحّت ستكفيه.!

عادت لتطل علي أزمة النظر للحياة التي أعاصرها، يبدو أن  لديه من القناعة والأمل الشيء الكثير وهو ما افتقده، قبل أن يقاطعني وقوفنا أمام بوابة غرفة التجهيز و أحد العمالة صاعداً فوق سلّمٍ يعالج من خلاله بعض اللمبات، وهذه المرة ، مرة الإياب لم آبه كثيراً لعدّها أو لحساب المسافة بينها، أو لإصاخة السمع لطقطقة العجلات تحتي.

اضف هذا الموضوع الى:
كاتب سعودي
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3294051